top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
زكي رضا:السم الزعاف بين الخميني وخامنئي
أثبتت الكثير من الأحداث في التأريخ، أنّ الحكّام الديكتاتوريين ومن أجل إستمرار سلطتهم على إستعداد للتضحية بملايين البشر وتعريض بلدانهم وبلدان أخرى للدمار والخراب. فأمثال هؤلاء الحكّام لا يعملون على إنهاء ما تواجه بلدانهم وشعوبهم من أحداث مدمرّة حينما يكون هناك وقت كاف لتقليل الخسائر الى أقل الحدود الممكنة، بل تراهم يستمرون بنرجسيتهم العالية الى خوض الحدث أو المعركة كي تستمر لفترة طويلة، ليعودوا ...
محمد قواص:العرب ليسوا في حسابات صفقة ترامب مع إيران
من يستمع إلى اللغة الحنونة التي استخدمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب متوجها إلى إيران، يتخيّل أن من أعطى الأوامر بإرسال حاملة الطائرات "ابراهام لنكولن" والقطع البحرية المرافقة، ومن دعم الحملة البحرية بقاذفات منها تلك الاستراتيجية بي 52 هي جهة أخرى داخل الإدارة في واشنطن. تحدث ترامب عن تفاوض مع طهران وعن دعوة للتواصل معه وعن توق لتعاون أميركي مع إيران تستعيد من خلاله قوة اقتصادية عالية. تحدث الرجل بما ...
كفاح محمود كريم:ديمقراطيات الشرق الكمالية!
لكي لا تبتعد كثيرا عزيزي القارئ وتذهب إلى أبو تركيا الحديثة كمال أتاتورك فيما وصفته هنا بالكمالية، حيث اقصد ما اعتدنا على تسميته هنا بالكماليات وهي المواد أو الأجهزة المكملة أو التجميلية مثل الإكسسوارات وبعض الديكورات من تحف ولوحات وثريات مما يوصف لدى غالبية الأهالي بأنها من الكماليات غير الضرورية، ومن هذا التوصيف أو التشبيه أحاول الدخول إلى مفاهيم وتعريفات لنظام اجتماعي وسياسي في جزئيته المتعلقة ...
سجعان قزي:يا ليت الحياد يعود يوما
دور الوسيط الذي تقوم به سويسرا بين أميركا وإيران كان يمكن أن يقوم لبنان به لو أحسن المحافظة على رسالته وهويته. وسيط الأمم. هذا هو دور لبنان بين الشرق والغرب، والإسلام والمسيحية، والعرب والعرب، والفرس والعرب. وفي هذا السياق كان يمكن للبنان أن يوفق بين السعودية وقطر، وبين مصر وتركيا، وبين السلطة الفلسطينية وحماس. طبيعة الصيغة اللبنانية (الشراكة بين الأديان) وطبيعة الميثاقية اللبنانية (لا شرق ولا غرب) ...
د. إبراهيم أبراش:هل انتهت وظيفة المقاومة ومسيرات العودة؟
في علم الحرب هناك فرق بين الهدنة والتهدئة ووقف إطلاق النار، إلا أنه ومهما كان المُسمى فالنتيجة وقفٌ للأعمال القتالية. وفي الحالة الفلسطينية فالهدنة أو التهدئة التي يجري الحديث عنها راهنا بين إسرائيل وحركة حماس وتوابعها من فصائل المقاومة، مثلها مثل سابقاتها من الهدن التي تتبع تصعيد عسكري محسوب بدقة، هذه الهدن قد تؤدي لانحراف المقاومة عن جوهرها ومبرر وجودها ودورها الوطني، وقد تتدحرج الأمور إلى تغيير ...
رشيد الخيّون:الأحزاب الدينية.. ألا يؤخذ العراقيون رهائن
يحاول أي نظام محاصر، يجد طبول الحرب تُقرع على مسافة منه، أن يدفعها بعيداً، فكيف إذا كانت عقيدة ذلك النِّظام تصدير الفكرة والثَّورة؟! هذا ما تفعله إيران، حيث تأسيس قطاعات لحرسها الثَّوري، والعراق أكثر البلدان التي نبتت فيها الميليشيات، وأفضل ما فيها بالنسبة لإيران أن جنودها عراقيون. فمِن حقها (العقائدي) أن تُقاتل بآخر عراقي، لأن القتال غرضه حمل «الرِّسالة الإلهية». لأن القوات الإيرانية، والميليشيات ...





أثبتت الكثير من الأحداث في التأريخ، أنّ الحكّام الديكتاتوريين ومن أجل إستمرار سلطتهم على إستعداد للتضحية بملايين البشر وتعريض بلدانهم وبلدان أخرى للدمار والخراب. فأمثال هؤلاء الحكّام لا يعملون على إنهاء ما تواجه بلدانهم وشعوبهم من أحداث مدمرّة حينما يكون هناك وقت كاف لتقليل الخسائر الى أقل الحدود الممكنة، بل تراهم يستمرون بنرجسيتهم العالية الى خوض الحدث أو المعركة كي تستمر لفترة طويلة، ليعودوا بعدها ويوافقوا على حلول كانت قد طرحت عليهم في وقت مبكر. ليكونوا بالنهاية سببا في مقتل الكثير من أبناء شعبهم وغيره من الشعوب، علاوة على الدمار الذي يطال بلدانهم وغيرها نتيجة تعنتهم ونرجسيتهم هذه.

لو أخذنا وقائع الحرب العراقية الإيرانية، أو ما تعرف بحرب الخليج الأولى، فأننا سنجد من خلال الخميني مثالا واضحا للحاكم الدكتاتوري الذي رفض كل الحلول والإقتراحات لأنهاء الحرب بين بلده والعراق. تلك الحرب التي بدأها الطاغية صدام حسين، وكان آية الله الخميني سببا في إستمرارها لثمان سنوات بعد رفضه كل الوساطات الدولية والإسلامية والعربية، أو تلك التي قامت بها منظمة عدم الإنحياز. فالخميني الرافض لكل تلك الوساطات ومنها قرار مجلس الأمن المرقم 514 والصادر في 12 تموز/يوليو 1982 والذي صدر بعد تحرير إيران لأراضيها، عاد وقبل ومعه النظام البعثي بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 والصادر في العشرين من شهر تموز/يوليو 1987، لكن بعد عام من إصداره بالضبط أي في العشرين من شهر تموز/يوليو 1988، عاد ليقول وهو يعطي موافقته على القرار الأممي: "من باز مى‏گویم که قبول این مسئله براى من از زهر کشنده‏تر است" أي "أنا أقول مرة أخرى أنّ قبول القرار بالنسبة لي هو أكثر قتلا من تجرع السم".

لو عدنا اليوم الى تلك الأيام لوجدنا وبلا أدنى شك، من أنّ تجرعه السم في العام 1982 كان أفضل للشعبين الإيراني والعراقي وبقية شعوب المنطقة. فالدمار الذي لحق بالبلدين خلال فترة السنوات الست التي تلت ذلك القرار كان كبيرا جدا، والضحايا الذين سقطوا في تلك الحرب المجنونة زادت كثيرا. كما وأنّ إستمرارها ساهم في أن تلد حرب أخرى وهي إحتلال الكويت من قبل النظام البعثي وحرب تحريرها، والتي كانت السبب الرئيسي في التواجد الدائم للولايات المتحدة في المنطقة من خلال قواعدها في البلدان الخليجية، وتأثير هذا التواجد على الأمن والسلام العالميين، كونها تستطيع التحكم والتأثير على ثلث صادرات النفط بالعالم.

اليوم وطبول الحرب تقرع من جديد والمنطقة تمر بظروف تشبه الى حد بعيد تلك التي سبقت حرب تحرير الكويت والتي أعادت بلدنا الى ما قبل عصر الثورة الصناعية. وبدلا من أن يركن القادة الإيرانيون لصوت العقل في حل خلافاتهم مع محيطهم الإقليمي من خلال عدم التدخل بشؤون بلدان المنطقة الداخلية، ومع المجتمع الدولي من خلال إستمرار إلتزامهم بالإتفاقيات المبرمة، والإبتعاد عن إطلاق التصريحات المتشنجة من أجل سحب البساط من أمام الولايات المتحدة وغطرستها، نرى الولي الفقيه يعتبر مجرّد فكرة التفاوض مع الولايات المتحدة بـ "سم قاتل". وهنا تحديدا تكمن دكتاتورية ولي الفقيه هذا، وإستعداده للمغامرة بإيران وشعبها وأمن المنطقة وسلمها من أجل أحلامه ونظامه المريضة في تصدير الثورة الإسلامية، على الرغم من الفشل الذريع للمفاهيم الإسلامية التي جاءت بها الثورة في بناء مجتمعات متماسكة ومنسجمة في البلدان التي جعلت من إيران قدوة لها كما العراق.

أنّ البطالة والتضخم والغلاء وإنهيار العملة وعدم توفر الكثير من الحاجات التي يحتاجها الناس، ستؤثر حتما ومن خلال إستمرار الحصار على مزاجهم، وتضعف الجبهة الداخلية في إيران لتتحرك الجماهير مطالبة بإيجاد حلول لمشاكلها التي تتفاقم يوم بعد يوم، والتي سيواجهها النظام هناك بالبطش الشديد. لذا ومن أجل مصلحة الشعوب الإيرانية التواقّة للعيش بحرية وكرامة، فعلى الولي الفقيه أن يتجرع السم اليوم قبل الغد، ويجلس ونظامه الى طاولة المفاوضات بدعم من الدول التي وقعت الإتفاق النووي معه والتي تقف لليوم معه رافضة ما أقدمت عليه الولايات المتحدة من خلال إنسحابها الأحادي الجانب من الإتفاق النووي، طالما كفّت إيران عن تهديداتها بنقض بعض بنود الإتفاق وتحديد سقوف زمنية لذلك.

الحرب ليست نزهة والمنتصر الوحيد فيها هو الموت والدمار، فليعمل الولي الفقيه، على إبعاد شبح الموت والدمار عن الشعوب الإيرانية المسالمة ومعها كل شعوب المنطقة التي سيطالها وبلدانها الدمار ومنه على وجه الخصوص بلدنا العراق، الذي سيقاتل بالنيابة عنها كون الميليشيات الشيعية وهي تتوعد أميركا في دفاعها عن نظام ولي الفقيه ليست سوى بندقية على كتف الحرس الثوري. لتكف الولايات المتحدة عن غطرستها وعربدتها وتهديدها للشعوب بالحصار والحرب، ولتعي دول المنطقة أنّ حل خلافاتها بعيدا عن النظرة الأميركية ومفهومها عن السلام هو الحل الوحيد للعيش بعيدا عن حالة اللاحرب واللاسلم التي نعيشها اليوم وتأثيراتها العميقة.

أنّ حل الخلافات بين دول المنطقة من خلال الإحترام المتبادل وتبني نهج عدم التدخل في شؤون بعضها البعض الداخلية كفيل ليس بإبعاد شبح الحرب فقط، بل في بناء مستقبل أفضل لشعوبهم من خلال الحد من سباق التسلح، والألتفات الى تعزيز إقتصاديات بلدانهم وتطويرها بما يخدم الأجيال القادمة.

السيد خامنئي: تجرع السم اليوم قبل الغد وأنقذ الشعوب الإيرانية وشعوب المنطقة من تجرّعه، لأنّه لن يجلب لها سوى الموت والدمار.

زكي رضا








من يستمع إلى اللغة الحنونة التي استخدمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب متوجها إلى إيران، يتخيّل أن من أعطى الأوامر بإرسال حاملة الطائرات "ابراهام لنكولن" والقطع البحرية المرافقة، ومن دعم الحملة البحرية بقاذفات منها تلك الاستراتيجية بي 52 هي جهة أخرى داخل الإدارة في واشنطن.

تحدث ترامب عن تفاوض مع طهران وعن دعوة للتواصل معه وعن توق لتعاون أميركي مع إيران تستعيد من خلاله قوة اقتصادية عالية. تحدث الرجل بما يجيده كرجل أعمال، وهو يهوى عقد الصفقات وتسجيل الإنجازات. وعليه فيمكن التسليم بأن خيار واشنطن العسكري وإثارة مستشار الأمن القومي جون بولتون لمعلومات تكشف خططا عدائية إيرانية ضد مصالح أميركية في المنطقة، ليست خيار ترامب، وأن الأخير ينتظر فعلا اتصالا إيرانيا لتخليصه من عبء عسكرة بشَّر بإنهائها قبل أن يُنتخب رئيسا.

الخلط في الإشارات الصادرة من واشنطن، بين ما هو عسكري ينذر بالصدام الكبير وبين ما هو سلمي يتوق إلى "اتفاق استراتيجي" جديد، يشجع طهران على عدم القيام بالخطوة المنتظرة. فإذا ما كان ترامب، ولدواعي تتعلق ربما بطموحاته في رئاسيات بلاده العام المقبل، مستعجل على إبرام صفقته الإيرانية، فإن طهران ما زالت تمتلك الوقت لحياكة سجادتها، خصوصا أن تراكم القطع البحرية الأميركية على مقربة من الشواطئ الإيرانية يحاصر أي معارضة داخلية سيسهل اعتبارها مشبوهة متعاملة مع الأعداء.

على أن الدعوة الأميركية لاتفاق جديد يحوّل إيران إلى دولة "عادية"، يكتنفها كثير من التبسيط والسذاجة، على النحو الذي يلقي بظلال من الشك حول حقيقة ما ترومه واشنطن من طهران. فالجمهورية الإسلامية لم تقم عام 1989 لكي تتحول إيران إلى دولة عادية. وأي تراجع عن القماشة الحالية لدولة الولي الفقيه في بعدها العقائدي والفقهي والمذهبي، يؤدي، في عرف نظام طهران، إلى سقوط النظام والجمهورية والفقيه وولايته.

وعلى هذا فإن تغيير سلوك النظام هو معادل لتغيير النظام نفسه. وما البرنامج النووي وذلك للصواريخ الباليستية في إيران إلا تفاصيل تقنية لخيار استراتيجي يملي على النظام هذا السلوك. وبالتالي فإن طهران التي قد تذهب يوما، وربما قريبا، إلى طاولة المفاوضات، ستطرح برامجها التقنية تلك للتفاوض على أمل أن تجد لدى واشنطن وحلفائها، وحتى خصومها، ما يعيد تموضع تلك البرامج داخل قراءة جديدة لا تقلق العالم عامة وإسرائيل خاصة، على ألا يفرض الأمر على طهران تغييرا لسلوك تحتاجه مشروعية "الثورة الإسلامية" وبقاء منظومتها.

لن يتغير سلوك النظام الإيراني من خلال العقوبات الاقتصادية مهما كانت قاسية و"تاريخية"، حسب زعم ترامب وإدارته. ولن يتغير سلوك النظام من خلال تحركات شعبية داخلية خبرت طهران التعامل معها واحتواءها. بمعنى أوضح لن يتغير السلوك النظام وفق نسخ "الربيع العربي" وحتى وفق تلك المستحدثة التي تشهدها الجزائر والسودان هذه الأيام. فإذا ما حدث هذا التغيير في الدول المجاورة لإيران (أفغانستان والعراق) بالطريقة التي نعرفها، فإن أي تغيير للسلوك الإيراني لن يحصل إلا بالقوة القهرية وحدها.

لا أحد في العالم يريد ذلك. حتى في واشنطن يرددون ويكررون أنهم لا يخططون لذلك. يخاف أهل المنطقة هذا السيناريو الذي يعانون من نموذجه في العراق وأفغانستان. ولن يحظى هذا الخيار، هذا إذا افترضنا أنه موجود، بأي رعاية غربية على منوال تلك الرعاية التي حظيت بها عمليتي العراق وأفغانستان. وفق هذا الواقع وهذه الحقيقة تدرك إيران أن لا خطر داهما ولا عجالة تستدعي الارتباك.

ربما على الدول العربية، خصوصا تلك القريبة من إيران والمُستهدفة مباشرة من سلوك طهران، أن تقرأ بشكل آخر كتاب التصعيد العسكري الذي تدفع به الولايات المتحدة صوب مياه الخليج. هدف هذا التصعيد أميركي لا علاقة له بمستقبل أمن المنطقة. تجتمع أوروبا مع الولايات المتحدة على منع إيران من امتلاك السلاح النووي، أولا حرصا على تفوق إسرائيل في هذا المجال، وثانيا لأن برنامج إيران للصواريخ الباليستية بات يهدد بلدان الاتحاد الأوروبي، خصوصا إذا ما اكتملت أخطار المسافة التي تقطعها تلك الصواريخ بقدرتها على حمل رؤوس نووية. فإذا افترضنا أن المفاوضات "الحتمية" المقبلة ستعدم سلاح إيران النووي وتقصّر من مجال رمي صواريخها، فإن واشنطن وعواصم أوروبا، وحتى بكين وموسكو، لن تكون مهمومة بضبط سلوك طهران داخل العالم العربي.

هل هذا يعني أن الحملة العسكرية الأميركية ليست جادة؟ طبعا لا. إدارة ترامب بأجنحتها العسكرية والأمنية والدبلوماسية تحشد قواها لتصعيد الضغط على إيران. إدارة ترامب تحتاج لتحقيق إنجاز استراتيجي مفصلي خلال الوقت الذي تريده واشنطن وليس طهران. وفي الدفع بالورقة العسكرية من قبل واشنطن ما يضع ترامب وإدارته في موقف لا رجعة عنه إلا بتحقيق ذلك الإنجاز حتى لو استدرج الأمر احتكاكا عسكريا متعمدا من قبل أحد الأطراف أو لعبت الصدفة دورا في إشعال فتائل الحرب.

غير أن جدية الجهد الأميركي، والذي قد يحظى بتعاون أوروبي وتواطؤ روسي صيني، هدفه تحقيق أجندة واشنطن وإدارتها، بما يتناسب ويتوافق مع مصالح الدولة العميقة في الولايات المتحدة، ويخدم أجندة ترامب الشخصية داخل سياق الصراع السياسي الداخلي، لاسيما ذلك المرتبط بانتخابات عام 2020.

وفي مراقبة الفعل ورد الفعل، وتأمل مسار رحلات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، حتى في شقه العراقي، ما يؤكد على المنحى الأميركي الخالص لمسعى واشنطن، على نحو لا يأخذ بالاعتبار ما يريده أهل المنطقة وما يطمحون إليه داخل احتمالات الحرب والسلم مع إيران.

وفي الخطاب الودي الذي يوجّهه الرئيس ترامب لإيران، المفترض أنها دولة راعية للإرهاب في العرف الأميركي، ما يؤكد أن واشنطن تسعى لتفاهم ثنائي يستعين بهمّة الأصدقاء وتواطؤ الخصوم لتحقيقه.

وفي ثنايا الصفقة الثنائية ما يهم ترامب وما لا يهم الآخرين. والمستغرب أنه في عزّ هذا التصعيد الذي بدأ الخليجيون يدفعون أثمانا له في مصالحهم، تقف المنطقة العربية متفرجة متأملة لتفاصيل تتصاعد يوميا في المحيط القريب، شأنها في ذلك شأن دول العالم في واقعها البعيد.

"سلوك إيران"، هو ما يهمُّ دول المنطقة من ضمن أي اتفاق قد يبرمه ترامب مع هذا النظام بعينه في إيران.

عمليا فإن دول المنطقة تملك من الأسلحة ما يمكنها من ردع إيران وصواريخها المفترضة. وعمليا، وقد يبدو الأمر مفارقة، فإن دول المنطقة غير معنية مباشرة بامتلاك إيران للسلاح النووي، فذلك لن يغير من المعادلة الأمنية الاستراتيجية التي تهم دولاً، كروسيا والصين والولايات المتحدة وإسرائيل، أكثر مما يهم العرب الذين يتعايشون في منطقة تصلها أسلحة إسرائيل والهند وباكستان والدول الكبرى النووية.

وعليه فإن على العرب أن يكونوا شركاء كاملين يحملون نسخة جديدة من القواعد والشروط التي تتجاوز شروط بومبيو الشهيرة. ولئن سبق لترامب وفريقه أن أثار مسألة روحية الاتفاق النووي الذي تخترقه إيران، فإن على العرب أن يفرضوا أجندتهم بحيث تفقد أية صفقة مقبلة وجاهتها وروحيتها دون موافقة دول المنطقة على بنودها.

ما يجري حاليا بين عواصم العالم هو التقاطع حول صيغة الاتفاق الدولي المقبل والحتمي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي لا خطط لإسقاطها. قد تبرم العواصم ذلك الاتفاق وتترك المنطقة لسلوك إيراني تمّ تعديله مع العالم البعيد ويخضع لوجهات نظر مع ذلك القريب.

محمد قواص








لكي لا تبتعد كثيرا عزيزي القارئ وتذهب إلى أبو تركيا الحديثة كمال أتاتورك فيما وصفته هنا بالكمالية، حيث اقصد ما اعتدنا على تسميته هنا بالكماليات وهي المواد أو الأجهزة المكملة أو التجميلية مثل الإكسسوارات وبعض الديكورات من تحف ولوحات وثريات مما يوصف لدى غالبية الأهالي بأنها من الكماليات غير الضرورية، ومن هذا التوصيف أو التشبيه أحاول الدخول إلى مفاهيم وتعريفات لنظام اجتماعي وسياسي في جزئيته المتعلقة بتداول السلطة وعملية الانتخاب، محاولا كشف عورات هذا النمط مما يسمى بالديمقراطية في دول الأمية الأبجدية الحضارية وتعددية الانتماء والغالبية المدقعة، وعدم بلورة مفهوم المواطنة مع طغيان القبلية والطائفية والمناطقية.

بين ديمقراطية الغرب والديمقراطيات الشرقية وخاصة الديمقراطيات الشعبية سيئة الصيت التي حكمت مجموعة من الدول بعد الحرب العالمية الثانية وأنتجت مجموعة كائنات سياسية للزينة فقط، حالها حال الإكسسوارات التجميلية تشبها بتعددية الأحزاب في الديمقراطيات الغربية، وكنا قد أطلقنا عليها في مقالات سابقة "أحزاب الزينة"، والفارق بين الديمقراطية الغربية وديمقراطيات الزينة بون شاسع لا يسمح بإجراء أي مقارنة نوعية، خاصة وان الآليات المستخدمة هي ذاتها، تعددية الأحزاب وصناديق الاقتراع والانتخابات والاستفتاءات، لكن حقيقة الأمر تختلف كليا في الكيف والنوع والدوافع فيما يتعلق بالذين يضعون أرائهم في صناديق الاقتراع، ناهيك عما يسمى بالديمقراطية المركزية وما تلاها من سفسطة البعث وقبله التيارات القومية التي أسست مسارح للتطبيل والتزمير فيما سمي بالجمعية الوطنية أو مجالس الشعب أو الاتحاد الاشتراكي أو الهيئات الاستشارية (الشورى) وأمثالها ممن تشترك جميعها في صفات فقدان اللون والطعم والرائحة.

أما ما يحدث هذه السنوات من تجارب في البلدان التي اكتسحتها العصا الأميركية والأوروبية من محاولات تطبيق النظام الغربي في تداول السلطة بالاعتماد على الناخبين وممثليهم في البرلمان، فهي أكثر سخرية من تلك الأنظمة المطرودة، حيث تستخدم ذات الصناديق التي استخدمها البعث واللجان الشعبية وأحزاب المؤتمرات القومية والاتحادات الاشتراكية ومجالس الشعب والشورى، واستبدل الرفيق البعثي أو الأخ في اللجان الشعبية وأمثالهم في كوادر تلك الأنظمة إما برجال دين أو رؤساء ميليشيات أو فتاوى دينية أو مذهبية أو أوامر صارمة من الشيخ العام للقبيلة، فهم ايضا يقومون بواجب التلقين للناخب المسكين المصاب أصلا بفقدان الوعي السياسي والبلاهة الفكرية والحضارية، بل أنهم طوروا بعض الآليات في التصويت، إذ أنهم يؤجرون وثائق الناخبين فترة التصويت بما انعم عليهم الله من أموال، بدفوعات حسب قانون الشارب والمقص، ويصوتون بشكل جماعي بدلا عنهم حفاظا على راحتهم ووحدة الموقف والمصير والسيادة!

وإزاء ذلك وهذا النمط من السلوك تنصاع الغالبية العظمى وتحت ضغط مختلف أساليب السيطرة الدينية أو المذهبية بفتاوى رجال الدين، أو رغبة شيخ القبيلة أو العشيرة، أو برضوخها لإرادة سيد الشجعان الجبناء الفقر لانتخاب مرشحي أولئك المهيمنين على النظام السياسي، في طوابير مراكز الانتخابات ليحظى كل ناخب منهم إما بدجاجة أو كارت موبايل أو فرصة تعيين أو سندات تمليك أراضي ولكن بعد فوز المرشح المعني، وذلك بتلقين الناخب القطيعي المصاب بالبلاهة السياسية أصلا باسم المرشح والحزب والكتلة.

ترى ما الذي اختلف لدينا عما شهدناه منذ تأسيس هذه الدول والكيانات السياسية من قبل موظفين من وزارتي خارجية بريطانيا وفرنسا، فالدكتاتورية لم تزول بإسقاط هياكلها الإدارية، ففي السابق كان الحزب الحاكم والقائد الضرورة يوجه حتى الأسرة الواحدة بالتوجه إلى صندوق الاقتراع وتحديد اسم المرشح أو الفئة التي تنتخبها الأسرة، واليوم تم استبدال الرفاق الحزبيين برجال الدين والشيوخ والسحت الحرام، ولان المجتمع لم يتغير ولم ينتج بيئة لتطور نظاما جديدا، بل حصل العكس تماما في معظم الدول التي أسقطت أنظمتها عموديا، ولم يعد من المستطاع الاعتماد على رأي غالبية السكان المسيطر عليهم دينيا ومذهبيا وقبليا واقتصاديا، ولذلك فان المنتج على مستوى المؤسسات التشريعية والتنفيذية لن يرتقي في نوعيته مستوى نوعية السكان ووعيهم وحرية الاختيار لديهم، وبهذه التساؤلات وغيرها نكتشف حقيقة مشهد النظام السياسي الذي يطلقون عليه بالديمقراطي، وهو في الأصل لم يختلف كثيرا عن كل النظم السياسية التي سبقته منذ نصف قرن على الأقل، ويبدو إن زمنا طويلا سيتم استهلاكه مع كل فرص التقدم حتى نصل أفقيا إلى نوعية رفيعة تؤهل الناخب لاختيار صحيح ينتج مؤسسات تمثيلية أو تنفيذية حقيقية يعتمد عليها في بناء الدولة.

وحتى ذلك الحين سيبقى القطيع يتمتع بديمقراطيات الزينة، بينما تستمر حيتان السياسة والاقتصاد تمارس عملها في البقاء والتكاثر!

كفاح محمود كريم








دور الوسيط الذي تقوم به سويسرا بين أميركا وإيران كان يمكن أن يقوم لبنان به لو أحسن المحافظة على رسالته وهويته. وسيط الأمم. هذا هو دور لبنان بين الشرق والغرب، والإسلام والمسيحية، والعرب والعرب، والفرس والعرب. وفي هذا السياق كان يمكن للبنان أن يوفق بين السعودية وقطر، وبين مصر وتركيا، وبين السلطة الفلسطينية وحماس.

طبيعة الصيغة اللبنانية (الشراكة بين الأديان) وطبيعة الميثاقية اللبنانية (لا شرق ولا غرب) كانتا تعطيان لبنان قدرة التعاطي مع الجميع والتوفيق بين المتنازعين، ونقل الصراعات من المنحى العسكري إلى المنطق السياسي. لكن اللبنانيين أفسدوا الشراكة وعطبوا الميثاقية، ففقد لبنان دوره المميز وعرض طبيعة وجوده للخطر. بعد أن كان رؤساء جمهورية لبنان ورؤساء حكوماته وشخصياته يلعبون في العالم العربي دور الوسيط بين أربعينات وسبعينات القرن الماضي، صار الآخرون يتدخلون للمصالحة بين طوائفه وأحزابه ومذاهبه. وبعد أن كنا دولة ميسورة الاحترام، صرنا دولة تحت سقف الاحترام.

انتقل لبنان من دور الطبيب إلى دور المريض. ومن دور الوسيط إلى دور الفريق في كل صراعات المنطقة والعالم. لم تنعكس علينا صراعات المنطقة لأننا معنيون بها، بل لأننا تدخلنا فيها من دون مشورة أو تكليف أو تفكير بمصلحة دولة لبنان، ولأن حدودنا سائبة، ووحدتنا الوطنية مجازية، وولاءنا للخارج يعلو على ولائنا للوطن. ألم يكن مؤسفا أن يناصر بعضنا الثورات العربية (وأي ثورات!!) وبعضنا الآخر الأنظمة (وأي أنظمة!!)؟ وألم يكن مضحكا، أخيرا، أن تتخذ أطراف لبنانية موقفا مؤيدا لمادورو ضد غويدو في فنزويلا؟

خلا القضية الفلسطينية، ليس للبنان أن يكون شريكا في أي قضية أخرى في المنطقة إلا من خلال المساعدة على حلها. وليس له أن يكون معنيا بأي حدث خارج حدوده ما لم يتحول هذا عدوانا ضد سيادته واستقلاله. حتى في الموضوع الفلسطيني، كفي لبنان أن يكون ملكيا أكثر من الملك. وإذا كان الفلسطينيون تصالحوا مع إسرائيل وعقدوا تسوية معها، وإذا كانت الدول العربية كافة - مع التشديد على كلمة "كافة" - تفاهمت علنا أو سرا مع إسرائيل، فلا أرى سببا يدفع لبنان، بعد، إلى المقاومة من أجل تحرير فلسطين. الأجدر بلبنان أن أن يركز على مشروع يتناول اللاجئين الفلسطينيين القاطنين في أراضيه ويعيد انتشارهم على دول عربية وأجنبية قادرة على استيعابهم ويؤمن لهم حياة لائقة بهم لأنهم يستحقون الحياة والسكن والتعليم والعمل والفرح.

استعادة لبنان دوره المميز يستلزم وجود دولة قوية وذات صدقية، ووجود نخب فيها تتمتع بعلاقات - لا بارتباطات - عربية ودولية مؤهلة لأن تتولى دور الوساطة، ويستوجب أساسا أن يعتمد لبنان نظام الحياد أو أقله سياسة محايدة، لا أن يكون - كما حاله اليوم - فريقا في عالم لا يشبهه ومنحازا إلى أنظمة ومحاور تتعارض مع مصالحه وديمقراطيته. لبنان الحالي ليس لبنان المسيحيين ولا لبنان المسلمين ولا لبنان الشراكة المسيحية/الإسلامية. لبنان الحالي ليس لبنان "لا شرق ولا غرب" ولا لبنان الشرق والغرب. هو فريق في الشرق ضد شرق آخر وفريق في الغرب ضد غرب آخر. لبنان الحالي ليس لبنان الكبير، ولا لبنان المتصرفية، ولا لبنان إمارة الجبل، ولا لبنان القائمقاميتين. هو لبنان القائم بأعمال الدول الغريبة، عربية كانت أو دولية. هو الـ"لالبنان".

وما الضياع الذي نعيشه اليوم سوى نتيجة انحراف لبنان عن ذاتيته ودوره وعن مبرر وجوده. كل الأدوار المستعارة التي فرضت على لبنان أضعفته وأجازت الانقضاض على خصوصيته. تكفي المقارنة بين ما حققه لبنان زمن احترام دوره وما خسره بعد الخروج عنه. البعض أراد تحجيم الدور المسيحي في دولة لبنان، فتحجم دور لبنان كله. ويتضح يوما بعد يوم أن تغيير دور لبنان هو جزء من مشروع تغيير لبنان. بفضل صمود لبنان السابق فشلت كل محاولات ضمه إلى وحدة عربية ثنائية أو ثلاثية أو أوسع، أما وقد أفقدوه عصبه الوطني ومناعته التاريخية، برضى قادة مسيحيين أيضا، فصار لبنان جزءا من حالات إسلامية منتشرة من إيران إلى الخليج فالمشرق.

إن استرجاع لبنان يبدأ باتفاق مسيحي إسلامي على إعلان حياد لبنان. هذا المشروع يستحق، على صعوبته، أن يكون في أولوية المطالب اللبنانية لدى المجتمع الدولي. ومؤشر إرادة الأطراف اللبنانية على تحييد لبنان هو نوعية الاستراتيجية الدفاعية الجديدة التي يفترض أن تنطلق من "إعلان بعبدا"، وقد وافقت عليه الأطراف اللبنانية كافة بكامل وعيها، وصدقت عليه المرجعيات العربية والدولية.

صحيح أن الاختلاف في الرأي حق وطني وديمقراطي، لكن، حين يحمل الرأي الآخر في طياته مشاريع مختلفة عن الرأي العام، يصبح خلافا على الوطن لا على الرأي، ويحلل للآخر أن يتصرف. إن إنقاذ وحدة لبنان باتت مرتبطة بإرساء حياد لبنان. وكل يوم تأخير في تحييد لبنان يعرض المشروع اللبناني التاريخي للتدهور، فيما هو حاجة لبنيه ومحيطه والعالم.

أن لبنان كيان ديبلوماسي بامتياز في هذا الشرق المفسخ. فعدا حق الدفاع عن نفسه وسيادته بقوة، هو مؤهل أساسا للاضطلاع بالمهمات السلمية. هو المصح السياسي لأمراض الدول وأنظمتها وشعوبها. وأيهما يفيد لبنان أكثر: تحويله جبهة عسكرية مفتوحة على كل الصراعات أم تعزيز رسالته الحيادية ليبعد عنه الصراعات والأخطار المداهمة؟

سجعان قزي










في علم الحرب هناك فرق بين الهدنة والتهدئة ووقف إطلاق النار، إلا أنه ومهما كان المُسمى فالنتيجة وقفٌ للأعمال القتالية. وفي الحالة الفلسطينية فالهدنة أو التهدئة التي يجري الحديث عنها راهنا بين إسرائيل وحركة حماس وتوابعها من فصائل المقاومة، مثلها مثل سابقاتها من الهدن التي تتبع تصعيد عسكري محسوب بدقة، هذه الهدن قد تؤدي لانحراف المقاومة عن جوهرها ومبرر وجودها ودورها الوطني، وقد تتدحرج الأمور إلى تغيير وظيفة المقاومة لتصبح مقاومة للحفاظ على الانقسام وحماية السلطة القائمة في غزة وتأمين مصادر تمويل لتأمين رواتب سلطة حماس والحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية لسكان غزة، وبمرور الوقت قد تؤدي لوقف المقاومة المسلحة ضد إسرائيل التي تحتل كل فلسطين وتحاصر قطاع غزة.

يجري كل ذلك بإشراف وتمويل وتنسيق من جهات إقليمية ودولية معنية بتمرير صفقة القرن وبمعزل عن النظام السياسي الفلسطيني الرسمي وبدون توافقات وطنية.

قد يقول قائل ما دامت الحرب، والمقاومة شكل من أشكالها، وسيلة وليست هدفا بحد ذاته، فإن من حق مَن يمارس المقاومة أو يخوض الحرب أن يتفاوض على هدنة أو تهدئة إذا ما تطلبت المصلحة الوطنية والوضع السياسي أو العسكري ذلك، وهذا كلام صحيح نظريا لو كان الوضع طبيعيا. في الحالة الفلسطينية الوضع ملتبس وخصوصا عندما نضع موضوع المقاومة والهدنة في سياقه التاريخي وإذا ما تمعنا، موضوعيا وبعيدا عن خطابات النصر المخادعة التي تتبع كل حرب، بما آل إليه حال المقاومة وحال الشعب من حيث الخسائر في كل جولة من جولات المواجهة سواء كانت خسائر بشرية أو مادية أو سياسية أو اجتماعية وأخلاقية،، أيضا ما آلت إليه المقاومة في غزة التي أصبحت فصائلية وموسمية وخارج السياق الوطني من حيث القرار والهدف.

منذ بداية وجود السلطة وعندما كانت تجري المفاوضات وكانت إسرائيل تتعرض لضغوط دولية لتنفيذ بنود التسوية والانسحاب من بعض الأراضي المحتلة، كان الرئيس الراحل أبو عمار يناشد فصائل المقاومة بالالتزام بتهدئة مؤقتة دون أن يسئ الرئيس للمقاومة أو يخَوِّنها أو يجمع سلاحها، بل كان يناشد الفصائل بالتهدئة أو وقف إطلاق نار حتى لا تستغل إسرائيل عمليات المقاومة وخصوصا العمليات داخل أراضي 48 لتتهرب مما عليها من استحقاقات.

لم يكن يحلو لفصائل المقاومة وخصوصا حركتا حماس والجهاد الإسلامي القيام بالعمليات العسكرية إلا عندما تكون المفاوضات وصلت لمرحلة حاسمة مطلوب فيها من إسرائيل الانسحاب من أراضي فلسطينية أو إزالة حواجز، وكان رد إسرائيل على هذه العمليات وقف المفاوضات والتوجه إلى الرأي العام العالمي وإلى الدول التي ترعى عملية السلام باكية شاكية بأن الفلسطينيين لا يريدون السلام وأن أمنها مُهَدَد وأن أبو عمار غير صادق أو غير قادر على ضبط الأمور الخ. ولا تكتفي إسرائيل بتهربها مما عليها من التزامات بل كانت تقوم ببناء الجدار العنصري تحت ذريعة حماية أمنها وتزرع أراضي الضفة بالحواجز وتكثف عمليات الاستيطان والتهويد وتُدَمِر مقرات السلطة الوطنية، وهي تعلم أن الذين قاموا بالعمليات العسكرية من خصوم السلطة!

بالرغم مما تعرض له أبو عمار من إساءة وخصوصا من حركة حماس التي خوَّنته وكفَّرته وشهَّرت به وعملت مع إسرائيل على تدمير حلمه بالسلام العادل إلا أن أبو عمار دفع حياته ثمنا لتمسكه بالمبادئ والثوابت ودفاعا عن حق الشعب الفلسطيني بالمقاومة، وفي هذا السياق نذَّكِر بأن اجتياح إسرائيل للضفة في عملية السور الواقي 29 مارس 2002 ومحاصرتها للمقاطعة وللرئيس جاء كردة فعل على قيام أحد عناصر حركة حماس بعملية تفجير في فندق بارك في ناتانيا.

عندما جاء الرئيس أبو مازن ناشد فصائل المقاومة الالتزام بتهدئة مؤقتة وبشروط مشَرِفة حتى لا توظف إسرائيل الصواريخ التي تنطلق من غزة كذريعة لتدمير ما تبقى من مؤسسات ومراكز السلطة ولبناء مزيد من جدار الفصل والحواجز والاستيطان والتهويد، ولم تستجب له الفصائل التي كانت تطلق أحيانا صواريخ لا تصيب هدفا ولا تُوّقِع مقتلا وكانت فقط للتخريب على جهود الرئيس أبو مازن وإحراجه وإظهاره بمظهر الضعيف، ولاستجلاب أموال من جهات خارجية معنية بإفشال عملية التسوية، ومع ذلك لم يأمر الرئيس أبو مازن بجمع سلاح المقاومة أو اعتقال مجاهدين وكان أقصى ما قال إنها صواريخ عبثية، وفعلا كانت وما زالت.

لم تستمع حركة حماس وبقية الفصائل للرئيس أبو مازن كما لم تستمع من قبل للرئيس أبو عمار، وعندما كانت تضطر للرد على الضغوط الداخلية والخارجية التي تطالبها بالقبول بالهدنة كانت تضع شروطا كالقول بأنها مستعدة للالتزام بهدنة لمدة خمسة عشر عاما ولكن بعد انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي المحتلة عام 67 وإطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين، وكانت تعتبر أن الهدنة مع عدو يحتل الأرض ويدنس المقدسات نوع من الخيانة، خيانة الوطن وخيانة دماء الشهداء، وهو كلام صحيح لو كانت حركة حماس تملك بديلا وطنيا، وصادقة في أنها حركة مقاومة لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر كما كانت تقول حينها.

فما الذي جرى وصيَّر الحال إلى عكسه؟

بقدرة قادر باتت الهدنة مصلحة وطنية ولم تعد إسرائيل تستجدي الهدنة كما كانت سابقا بل حركة حماس وبعض الفصائل هي التي تطلبها مناشِدة دول العالم بالتدخل لهذا الأمر، وأغرب ما في هذه الهدنة أنها ملزمة لفصائل المقاومة وغير ملزمة لإسرائيل، ونطاق تطبيقها يقتصر على قطاع غزة فقط، وكما يقول ناطقون باسم حركات مقاومة إن فصائل المقاومة ستلتزم بالهدنة ما دامت إسرائيل لا تعتدي على قطاع غزة! و"إن عادوا عدنا" و"القصف بالقصف" الخ، وهذا يعني أن المقاومة والهدنة في قطاع غزة أصبحتا أداة لحماية وتكريس الانقسام والانفصال وليس لتحرير فلسطين.

دون تشكيك بذوي النوايا الصادقة من المقاومين، فإن استكمال مخطط الانقسام والانفصال وتمرير صفقة القرن يحتاج لطرف قوي في قطاع غزة منافس لمنظمة التحرير، ومن هنا فإن تكرار المواجهات بين حركة حماس وإسرائيل وإطلاق حركة حماس والفصائل الصواريخ على إسرائيل وسط تغطية إعلامية واسعة للصواريخ، والتعمية عن الخسائر المحدودة التي تُلحقها أعمال وصواريخ المقاومة بإسرائيل مقابل ما يُلحِقه القصف الإسرائيلي من خسائر مدمرة عند الفلسطينيين، وتكرار توقيع حركة حماس لاتفاقات هدنة كطرف وحيد وأساسي مع إسرائيل وسط حديث عن انتصار المقاومة وهزيمة إسرائيل، كل ذلك يُظهر حماس كطرف قوي ندا لإسرائيل في مقابل منظمة التحرير المهادِنة والمستسلمة والتي تنسق أمنيا مع إسرائيل وغير قادرة على حماية الضفة والقدس من سياسات التهويد والاستيطان الخ.

إن خطورة ما يجري أن حركة المقاومة الوطنية للاحتلال التي وصفها الزعيم المصري الراحل جمال عبدالناصر بأنها أنبل وأشرف ظاهرة في عصره، والتي ما زالت محل رهان الشعب للتحرر من الاحتلال وخصوصا بعد فشل رهان منظمة التحرير وقيادتها على التسوية السياسية العادلة وعلى الوسيط الأميركي، هذه المقاومة تحولت في نموذجها الموجود في قطاع غزة إلى ورقة مساومة مع الاحتلال وورقة مناكفة سياسية بين الفلسطينيين أنفسهم، ونرجو ألا تتحول إلى ظاهرة "الارتزاق الثوري والجهادي."

وأخيرا نُعيد التأكيد أن المقاومة بكل أشكالها حق أصيل للشعب الفلسطيني وليست ملكا أو ورقة مساومة لأي حزب من الأحزاب وهي سابقة في الوجود على حركة حماس وعلى كل الأحزاب، كما أن مقاومة الاحتلال حق ومبدأ تقر به كل الشرائع الدينية والدنيوية وليس من حق أحد أن يتنازل أو يتخلى عنه.
د. إبراهيم أبراش








يحاول أي نظام محاصر، يجد طبول الحرب تُقرع على مسافة منه، أن يدفعها بعيداً، فكيف إذا كانت عقيدة ذلك النِّظام تصدير الفكرة والثَّورة؟! هذا ما تفعله إيران، حيث تأسيس قطاعات لحرسها الثَّوري، والعراق أكثر البلدان التي نبتت فيها الميليشيات، وأفضل ما فيها بالنسبة لإيران أن جنودها عراقيون. فمِن حقها (العقائدي) أن تُقاتل بآخر عراقي، لأن القتال غرضه حمل «الرِّسالة الإلهية». لأن القوات الإيرانية، والميليشيات جزء منها، لا تلتزم «بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أعباء رسالتها الإلهية، وهي: الجهاد في سبيل الله والنِّضال مِن أجل أحكام الشَّريعة الإلهية في العالم» (دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الجيش العقائدي)، ركزوا على مفردة «العالم»! تُختم الفقرة الدستورية بالآية: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ...» (الأنفال: 60). فهل هذا دستور دولة وطنية أم بيان حربٍ عالمي؟!

ووفق الحاكمية التي تمثل العقيدة الدينية الثَّورية الإيرانية، أن أعباء «الرّسالة الإلهية» تكون وفق «ولاية الفقيه»، و«الجهاد في سبيل الله» تحت رايته، وعلى هذا يُشير قادة الأحزاب الدينية خارج إيران إلى علي خامنئي بلقب «ولي أمر المسلمين»! وبالمقارنة، لا يختلف النص الدستوري الإيراني عن بيانات الجماعات التي أعلنت «دولة الخلافة»، ومبايعة أمير مؤمنيها بالموصل.

ترى إيران الإسلامية إيجاد الميليشيات والأحزاب العقائدية، على أرض غيرها، ممارسة دستورية، لكن الآية التي استشهد بها الدستور الإيراني (الأنفال: 60)، هل وُقف على أسباب نزولها، وبمَن نزلت ولأي حدث، وفي أي زمن؟! وفق تفاسير شيعية لا غيرها: كـ«التبيان في تفسير القرآن» لمحمد بن الحسن الطُّوسي (ت460هـ)، و«مجمع البيان في تفسير القرآن» لفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548هـ) مثلاً. نزلت في وقت كان الإسلام يسعى للتأسيس، لكن توظيف هذه الآية، في هذا الزَّمن، لا يعني غير تحقيق «الحاكمية»، أي جعل القرآن وسيلة لبلوغ هدف سياسي، وما تسمية الولي الفقيه بـ «ولي أمر المسلمين» إلا استهلالاً لتطبيق الفكرة.

يُعتبر وجود فروع للحرس الثَّوري، خارج إيران، أمراً شرعياً وفق «الحاكمية» بنسختها نيابة الإمام، وبالتالي نيابة الله. بالمقابل أن تلك الفروع لا ترى في ترجيح انتمائها الإيراني على الانتماء الوطني خارجاً عن الشَّرع الذي تعمل وفقه، فالولي واحد، وهي تُحارب تحت قيادته، مِن على أرض أوطانها، مِن أجل «الشَّريعة الإلهية» بمفهوم الولي. تبين ذلك مِن دفاعها عن النظام الإيراني، في الصغيرة والكبيرة، حقَّاً وباطلاً.

ما يخص العِراق، اتضح أن هذه القوى المسلحة، والأحزاب الدينية عموماً، لا يهمها أمر العراق بشيء، منها الذي طالب بدفع خسائر الحرب لإيران، وليس بعيداً أن إيران قد استوفتها عبر طرق ملتوية. غير أن أخطر ما ستقدم عليه هذه القوى سيكون في المواجهات بين إيران وأميركا. فقبل ذلك كانت مهمتها بتنفيذ شعار المقاومة على الأميركان (2003-2011)، ومنها تبني اغتيال الكادر العراقي غير المنسجم مع إيران، في شتى المجالات، وعلى وجه الخصوص المجال العسكري، لانتهاز فرصة خروج الجيش الأميركي، كي يُفسح المجال لإيران في التفرد بالوضع العراقي، وهذا ما حصل. ما بعدها صارت المهمة الإيرانية العمل على عدم السَّماح باستقرار العراق، لأن العراق غير المستقر يبقى حديقةً خلفيةً لها، تزرعها وتحصدها كيف تشاء.

مَن قال خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988): «إذا قال الإمام (الخميني) حرب يعني حرب وإذا قال سلم يعني سلم» (يوتيوب)، وآخر كُلف بعمليات إرهابية ضد مصالح العراق والدول التي ليست على وفاق مع إيران وغيرهما كثير يُعدون الآن مِن كبار قادة فروع الحرس الثوري داخل العراق، وهم لا يعبئون، إذا حصلت المواجهة، جعل العراقيين رهائنَ ومتاريس، دفاعاً عن «الجمهورية الإسلامية»، مثلما ينطقونها من دون الإيرانية، على أن العراق جزءاً منها. وبهذا، يصعب فرز موقف عراقي داخل الميليشيات، بل والأحزاب الدينية، فالذي يطلع على خطاب تلك الجماعات والأحزاب، في هذه الأزمة، يجده إيرانياً.

أقول: كي لا تُعيد أميركا خطأها الفادح عندما أسقطت النظام العراقي قبل دراسة ما سيكون لإيران مِن فائدة عظمى، عليها إذا كانت جادة بتصحيح خطأها بحقّ العراقيين، تنظيف العراق مِن قطعات الحرس الثَّوري أولاً، وهي الميليشيات التي غطت "انتصاراتها" على الجيش العراقي في مواجهة «داعش»، والفعل الأكبر كان له، حتى أنها في العديد من المناطق كانت عامل عرقلة، فاستخدمت إيران فتوى «الجهاد الكفائي» لتحقيق ما يكون قريناً لحرسها الثوري، فما كان الولي الفقيه حريصاً على شرعية الميليشيات عند مقابلة المسؤولين العراقيين إلا لتأسيس جيش موازٍ، أمره بيده.

إذا بقي للعراق ركن سالم، بعد ما مرَّ به مِن حوادث جسام، فهذه الحرب إذا جرت على أرضه دفاعاً عن إيران، لن يبقى منه شيء. لمحمد صالح بحر العلوم (ت1992) مِن «واحسرتها على العِراق»: «الشَّعبُ يسألكم غداً عن حقهِ/ألديكمُ عذرٌ يُسكته غداً/ رحماكِ قد ماتَ العِراقُ وأهلُه/ لبستُ له ثوبَ الكآبةِ أسوداً/فتداركي الخطر الذي مِن شرَّه/سيكون مُقتبل البلاد مهدداً» (شعراء الغري). خطر ما بعده ولا قبله خطر عندما يصبح العراقيون رهائن كقرابين لإيران!

رشيد الخيّون








الحرب بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن لا تقع في حالة إذعان الأخيرة للشروط الأميركية. وهو أمر لا يمكن توقع حدوثه ما دام المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي حيا.

لا يمكن التعرف بشفافية على المزاج السياسي في إيران ما دامت آليات عمل النظام هناك قائمة على تقديس الوصاية العقائدية واعتبارها أساسا للعمل السياسي.

لقد تفاعلت إيران مع العالم سياسيا في السنوات التي سبقت ابرام الاتفاق النووي وذلك لأسباب نفعية، غير أن توقيع الاتفاق بالرغم من منافعه الكثيرة لم يحظ برضا المؤسسة الدينية وعلى رأسها خامنئي شخصيا.

لذلك فشلت الدبلوماسية الإيرانية في الاستمرار في الحوار مع إدارة الرئيس الأميركي السابق أوباما من أجل ترسيخ الاتفاق بطريقة لا تسمح للولايات المتحدة بالانسحاب منه. كانت تلك فرصة فوتتها إيران على نفسها.

من هذا كله نستنتج أن إيران لن تذهب إلى مفاوضات، تعرف أنها لا تحظى بمباركة الولي الفقيه بسبب وجود الشروط الـ 12 التي لا يمكن للولايات المتحدة أن تتراجع عنها أو عن عدد منها.

من غير مفاوضات هل يمكن تجنب الحرب؟

نعم يمكن تجنبها في حالة أن إيران قررت أن تصمد في وجه العقوبات المتصاعدة. وهو رهان ينطوي على مغامرة استعادة سيناريو الحصار الدولي الذي فرض على العراق.

غير أن الإيرانيين يمنون النفس في أن يكونوا في حالة صمودهم أفضل حالا من العراقيين الذين كان الحصار عليهم قد فُرض بموجب قرارات دولية فيما هو في الحالة الإيرانية حصار أميركي لا يتمتع بتأييد دولي معلن.

سيكون ذلك صحيحا لو لم تكن الولايات المتحدة مهيمنة على أسواق النفط والمال وهما ركيزتا المشروع الإيراني في المنطقة. لذلك لا يمكن مقارنتها بالعراق الذي اكتفى أثناء سنوات حصاره بإطعام شعبه.

إن صمدت إيران في وجه العقوبات في ظل نقص حاد في الأموال فإنها ستكون عاجزة عن تمويل برامج تسلحها والميليشيات التابعة لها في لبنان والعراق واليمن وسوريا. وهو ما سيقود حتما إلى اضعاف وجودها خارج حدودها الإقليمية.

سيكون يومها على إيران أن تتخلى عن محور المقاومة المزعوم الذي تتزعمه. إضافة الى أنها ستكون عاجزة عن تطوير برنامجيها النووي والصاروخي. ذلك ما يجعل صمودها من غير نفع.

إذا لم تتفاوض ولم تقرر الصمود في وجه العقوبات التي ستستمر إلى ما لا نهاية فإن إيران ستكون مضطرة إلى أن تختار الحرب حلا. ستكون الحرب خيارها الساخن من أجل أن لا تقع ضحية للخيارات الباردة.
ولأن إيران تدرك أن حربا جديدة في المنطقة ستكون مكلفة للجميع فإنها تراهن على أن تلك سيكون بوابة لتسويات، قد تكون أقل تأثيرا على مكانتها في المنطقة من القبول بالشروط الأميركية الجاهزة من غير حرب.

ترغب إيران اليوم بسبب الضغوط التي تعرضت عليها في توقيع اتفاق نووي جديد غير أنها تنظر بعين الشك إلى ما يحيط بها من مخططات تسعى إلى التضييق عليها وتحجيم دورها في المنطقة.

ما لا تستطيع إيران اليوم الإعلان عنه سيكون ممكنا بعد حرب قصيرة.

سيكون يسيرا عليها أن تتخلى عن محمياتها. ذلك لأنها ستكون مطمئنة إلى أنها تترك تلك المحميات في قبضة ميليشياتها.

تلك مشكلة أخرى، سيكون على الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة أن يعالجوها بوسائل مختلفة. وهو ما تأمل إيران من خلاله أن تسترجع نفوذها بعد مضي العاصفة.

ولكن تلك الحرب إن وقعت قد لا تنتهي إلى التسويات التي تحلم بها إيران. فقد تكنس الحرب ميليشياتها في الوقت الذي تشل فيه قدرتها على الدفاع عن النفس. وهو أمر يمكن توقعه في أنظمة الحرب الحديثة.

يومها ستندم إيران على أنها رفضت خيار التفاوض.

فاروق يوسف






في الذكرى التاسعة والعشرين للوحدة اليمنية، لا مفرّ من الاعتراف ان تلك الوحدة صارت من الماضي. شهدت ولادة الوحدة في 22 ايّار – مايو 1990، وشهدت انتهاءها في بلد لم أكن اتصوّر يوما اني سأتعلّق به وبأهله اهله الى الحد الذي تعلّقت به.

دفعني ذلك التعلّق الى وضع كتاب عن اليمن صدر قبل ثلاث سنوات تحت عنوان "حرائق اليمن". كتبت مقدمة للكتاب تحسرت فيها على اليمن بعدما شعرت ان لا عودة الى بلد موحّد، بل ستكون هناك كيانات عدّة سترى النور في يوم من الايّام. صدر الكتاب قبل ان يغتال الحوثيون علي عبدالله صالح بدم بارد أواخر العام 2017.

كان لديّ شعور دفين بان الحوثيين سيقدمون على هذه الخطوة بعدما غلب عليهم شعور بانّ وجودهم في صنعاء ابدي وانّه لم تعد لديهم حاجة الى المحافظة على حياة الرئيس السابق الذي كان اوّل رئيس لليمن الموحّد وآخر رئيس له. اعتقد علي عبدالله صالح انّه سيكون قادرا على تدجين اليمن واليمنيين. استسلم في نهاية المطاف لقدره. ربّما كان يعتقد انّ الحظّ لن يتخلّى عنه يوما بعد نجاته من محاولة الاغتيال التي تعرّض لها في الثالث من حزيران – يونيو 2011 في اثناء تأدية صلاة الجمعة في مسجد دار الرئاسة. لا تزال شهادتي عن اليمن التي كانت مقدّمة كتابي صالحة الى اليوم، خصوصا ان الأسئلة المطروحة منذ ثلاث سنوات لا تزال هي نفسها.

كتبت وقتذاك: "عرفت اليمن قبل ان تطأ قدماي ارضه. كنت مهتّما بما كان يدور في الجنوب خصوصا ايّام ’جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية‘. ففي هذا البلد وصل حزب شيوعي عربي الى السلطة. كان الحزب الاشتراكي اليمني، الحزب الشيوعي العربي الوحيد، الذي استطاع ممارسة السلطة. سمح لي اهتمامي باليمن بان اكون شاهدا على نهاية دولة الجنوب. كان ذلك في العام 1986، يوم الثالث عشر من كانون الثاني ـ يناير تحديدا، عندما حصل الانفجار الداخلي وتبيّن ان لا وجود لشيء اسمه حزب قائد وحاكم بل قبائل وعشائر ماركسية تقاتلت في ما بينها من منطلق مناطقي اثر خلاف على السلطة.

شهدت بعد ذلك المرحلة التي مهْدت للوحدة اليمنية بين 1986 و1990، ثم توقيع اتفاق الوحدة وما تلا ذلك من تجاذبات ادّت الى حرب صيف 1994 حين هزم علي عبدالله صالح بدعم من الميليشيات الاسلامية المختلفة وبعض الجنوبيين المشروع الانفصالي بقيادة الحزب الاشتراكي الذي كان على رأسه علي سالم البيض.

شهدت ايضا الصراع الذي دار في البلد بين 1994 و2011، عندما اضطر علي عبدالله صالح الى تسليم السلطة اثر المحاولة الانقلابية التي تعرّض لها والتي كان الاخوان المسلمون رأس الحربة فيها. حصلت ثورة شعبية حقيقية في 2011 قادها شباب متحمّسون من ذوي النيّات الحسنة الذين اثّر فيهم ’الربيع العربي‘، لكن الاخوان عرفوا كيف يخطفون تلك الثورة وصولا الى ذلك اليوم (الثالث من حزيران ـ يونيو) الذي ارادوا التخلّص جسديا من علي عبدالله في مسجد النهدين داخل دار الرئاسة.

سلّم علي عبدالله صالح، الذي بقي في السلطة ثلاثة وثلاثين عاما، الرئاسة بموجب المبادرة الخليجية الى نائبه عبد ربّه منصور هادي الذي اصبح في شباط ـ فبراير رئيسا انتقاليا لمدة سنتين، يبدو انّهما ستدومان الى ان يقضي الله امرا كان مفعولا...

شهدت اخيرا، ولكن من خارج اليمن، المرحلة الاخيرة من صعود الحوثيين الذين صاروا ’انصار الله‘ وتمدّدهم ثم انكفائهم بعد شن التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ’عاصفة الحزم‘.

شهدت في الواقع انهيار دولة الجنوب ثم قيام دولة الوحدة ثم انهيار هذه الدولة، مع ما يعنيه ذلك من تفتيت لليمن. كان اليمنيون يخشون من الصوملة (نسبة الى الصومال). حدثت الصوملة وهم الآن في مرحلة ما بعد الصوملة.

لا ادّعي ان في استطاعتي الاجابة عن سؤال من نوع: اليمن الى اين؟ كلّ ما استطيع قوله ان اليمن الذي عرفناه لم يعد موجودا وانّ العودة الى صيغة الشطرين، اي الى مرحلة ما قبل الوحدة ليست واردة. السؤال الوحيد الذي يمكن طرحه كم عدد الدول او الكيانات التي ستقوم في اليمن في مرحلة ما بعد انتهاء حروبه الطويلة؟ هل تنتهي هذه الحروب يوما، خصوصا بعدما وجدت ’القاعدة‘ مقرّا لها في الاراضي اليمنية يعوض ما خسرته في افغانستان؟

كنت مؤيدا للوحدة اليمنية ومتحمّسا لها في مرحلة معيّنة. نلت ’وسام الوحدة‘. لم اخجل من ذلك. ما زلت مؤمنا بان الوحدة وفّرت على اليمن واليمنيين في تلك المرحلة الكثير من الدماء. لولا الوحدة، لما كان في الامكان رسم الحدود البرّية بين اليمن وجاريه، المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، والحدود البحرية مع اريتريا التي سعت في مرحلة معيّنة الى احتلال جزر يمنية مثل جزيرة حنيش في البحر الاحمر. قبل الوحدة لم يكن الجنوب قادرا على رسم الحدود مع السعودية بسبب مزايدات الشمال. ولم يكن الشمال يتجرّأ على خطوة من هذا النوع بسبب مزايدات الجنوب.

الأهمّ من ذلك كلّه، ان الوحدة كان يمكن ان تؤسس لنظام ديموقراطي قائم على التعددية الحزبية، يكون فيه تبادل سلمي للسلطة وحرّيات من كلّ نوع، خصوصا في مجال الاعلام. لكنّ كلّ ذلك بات من الماضي، كذلك احتمال قيام لامركزية موسّعة تسمح لكلّ مكوّن من مكوّنات اليمن التعبير عن نفسه بحريّة.

الآن، لم يعد ممكنا الدفاع عن الوحدة. صارت الوحدة اليمنية جزءا من الماضي، خصوصا انّه لم يعد واردا حكم اليمن من ’المركز‘، اي من صنعاء، خصوصا ان الصراع راح يدور ابتداء من العام 2010 داخل اسوار العاصمة.

لن احاول الدخول في التكهّنات او الخوض فيها. اقول ما اعرفه وعندما لا اعرف، اقول لا عرف واكتفي بالسكوت. لم اكن سوى صحافي شغوف باليمن احب اهله واحترمهم وخرج، بعد ثلاثين عاما من مرافقة شبه يومية للحدث اليمني بانطباع واحد هو الآتي: كلّما عرفت اليمن واليمنيين، كلما اكتشفت كم انك تجهله وتجهلهم".

هنا تنتهي مقدّمة الكتاب الذي شكل محاولة متواضعة للإحاطة بالظروف التي رافقت تشظي اليمن والأسباب التي تدعو الى التفكير في البلد من منظار مختلف بعيد كلّ البعد عن الوحدة التي كانت خيارا لا مفرّ منه في العام 1990، مثلما ان خيار البحث عن صيغة جديدة لليمن هو خيار السنة 2019 او خيار السنوات الثماني الماضية بعدما سهّل الاخوان المسلمون بانقلابهم على علي عبدالله صالح، وصول الحوثيين الى صنعاء واقامتهم امارة إسلامية اقرب ما تكون الى نسخة شيعية عن الامارة التي اقامتها "حماس" في غزّة ابتداء من منتصف العام 2007.

في ذكرى الوحدة اليمنية، يبدو ضروريا اكثر من ايّ وقت، ولأسباب عملية اكثر من ايّ شيء آخر، التخلي عمّا بقي من أوهام، بما في ذلك وهم امكان العودة الى صيغة الشطرين، او الدولتين المستقلتين في اليمن. ستكون هناك حاجة الى سنوات طويلة قبل ان نعرف هل سيبقى شيء ما من الوحدة اليمنية غير ذكرى قيامها في يوم من الايّام.

خيرالله خيرالله







حاولت أريح القراء من الكتابة عن ليبيا هذا الأسبوع، لكن التطورات المتسارعة داهمتني وفرضت التوقف عند فكرة ربما لم يتطرق لها كثيرون، تتعلق بإصرار تركيا على إرسال سفن محملة بالأسلحة والمعدات العسكرية إلى ميناء مصراتة والخمس وطرابلس، وتصميم حكومة الوفاق والبعثة الأممية على تجاهل اختراقات حظر تصدير الأسلحة وقراءة المعطيات الإقليمية والدولية بصورة خاطئة.

تؤكد تحركات كثيرة أن تركيا، ومعها قطر، هما الدولتان الوحيدتان تقريبا اللتان تؤيدان تصرفات الحكومة الليبية بلا تحفظ، وتباركان تحالفها مع الميليشيات والمتطرفين، وتوفران دعما سياسيا للتصورات التي يتبناها غسان سلامة المبعوث الأممي إلى ليبيا بشأن السعي لتمكين تيار الإسلام السياسي بأي وسيلة، وغض الطرف عن الإخفاقات المتتالية التي تواجهها بعثته، وبسببها يتحرك هذا التحالف لتغيير المشهد الذي يميل بقوة لصالح عملية طوفان الكرامة الساعية لتحرير طرابلس من قبضة العصابات المسلحة.

أنهكت العملية العسكرية التي يقوم بها الجيش الليبي الميلشيات وبددت تماسكهم الظاهر، ولم يتبق منهم سوى عدد محدود يساند حكومة الوفاق. لذلك بدأ رئيسها فايز السراج يستعين بمزيد من الأسلحة التركية ودفع الثمن المادي مقابل عدم توقفها، أملا في تعديل الموقف الميداني المنهك حاليا، ومنع انفضاض ما تبقى من قادة عسكريين وإرهابيين، والإيحاء أن المجتمع الدولي لن يعترض على خرق حظر تصدير الأسلحة.

لن تمثل الأسلحة القادمة من أنقرة عنصر إنقاذ كبير للعناصر التي تقاتل بجوار حكومة الوفاق، وربما تصبح صيدا ثمينا للجيش الليبي، من حيث سهولة تدميرها أو الاستحواذ عليها كغنيمة حرب. وتعرف تركيا أن تسريب أسلحتها لم يعد سرا، ولن تغضب من آليات الكشف عنها، وتعي صعوبة تغيير موازين القتال بهذه الطريقة البدائية، لكن أرسلتها لتأكيد أن لها يدا طولى في ليبيا قد تساوم على رفعها مستقبلا عندما تحقق مرادها.

تتكاتف مجموعة كبيرة من الأزمات حول تركيا، في سوريا ومع الولايات المتحدة ودول أوروبية عديدة وفي شرق البحر المتوسط ومع قبرص واليونان، ناهيك عن تراكم المشكلات السياسية والاقتصادية في الداخل، ما يفرض على الرئيس رجب طيب أردوغان عدم توسيع نطاق الانخراط في ليبيا التي تتقاطع فيها الكثير من مصالح الجهات السابقة.

تقف أنقرة في صف تحالف حكومة الوفاق والميليشيات والمتشددين من منطلق أيديولوجي، لكنها لن تبخل بالتضحية بهؤلاء عندما تتمكن من جني ثمار خداع الآخرين. ومن غير المستبعد أن توقف سفن الأسلحة وتفرمل تحركات القيادات الإسلامية في اسطنبول وتحجم سفر المتشددين إلى ليبيا، إذا حصلت على وعود بتخفيف الضغوط الواقعة عليها في بعض الملفات الإقليمية الحيوية.

لدى أنقرة خبرة واسعة في المساومة والمناورة. وتفاهمت من قبل مع ألمانيا على ورقة الهجرة غير الشرعية، وحصلت على مقابل مادي سخي أجبرها على وقفها. وتعرف أن مكونات الجغرافيا السياسية لن تسمح لها بنفوذ كبير في ليبيا. وتدرك أن تحركاتها تكتيكية وليست استراتيجية. وثمة دول عربية تقف لها بالمرصاد. وعلى اقتناع أن بعض الدول الغربية لن تسمح لها بتهديد مصالحها الأمنية والاقتصادية من خلال ليبيا.

إذا كانت بعض التطورات سمحت بزيادة تشابكات تركيا على الساحة الليبية، ففي لحظة معينة سوف يتم إجبارها على الخروج بأي ثمن. وهنا تريد أنقرة ثمنا سياسيا مغريا عبر الحصول على تنازلات في ملفات إقليمية أخرى. ما يجعل رهان بعض القوى الليبية عليها خاطئا. وقد تكون حكومة الوفاق ضحية سياسات أردوغان، كما هي ضحية تعلقها بمشاجب محلية ضعيفة.

تصر الحكومة على تجاهل الانتهازية التركية. وتعتقد أن استمرار تدفق الأسلحة كفيل بالضغط المعنوي على الجيش الوطني الليبي لدفعه نحو القبول بنداءات المبعوث الأممي لوقف إطلاق النار، بعد ارتكاب جرائم ضد الإنسانية من جانب الميليشيات ومحاولة إلصاقها بالمؤسسة العسكرية الوطنية.

يجتهد غسان سلامة في تأليب المجتمع الدولي على القوات المسلحة بلا طائل، لأن تحركاته لتمكين تيار الإسلام السياسي متعثرة. ويعمل على ترويج ادعاءات كاذبة وقدرته الفائقة في التأثير على الإدارة الأميركية، بمساعدة قطرية.

فقد التقى مؤخرا مسئولين في الولايات المتحدة، بترتيب من أحد مراكز الأبحاث المدعومة من الدوحة، وخرج من اللقاءات منتشيا، بينما لا يزال الموقف الأميركي ثابتا من رفض سيطرة الكتائب المسلحة والمتطرفين، ويتناغم مع تحركات المشير خليفة حفتر قائد الجيش الرامية لمكافحة الإرهاب وتخليص سكان العاصمة من قبضة الجماعات المسلحة.

تمضي عملية طرابلس بحسابات دقيقة، وقادت نحو حصد مكاسب جيدة حتى الآن، ونجحت في الحصول على تأييد خارجي، انعكست معالمه في شكل برودة في اللقاءات التي أجراها السراج مع بعض القيادات الغربية، في وقت تزداد فيه الحرارة السياسية مع حفتر، الذي حصد دعما داخليا ظهرت تجلياته في التفاف الأهالي حول القوات المسلحة التي تعمل على تخليصهم من الكتائب المسلحة ووقف نزيف الأموال التي تذهب لجيوب الميلشيات. وفشل السراج في تصوير العملية على أنها معركة بين شرق وغرب، أو أن سكان طرابلس على قلب رجل واحد في دعمهم لحكومته.

يخشى السراج من مغبة التناغم الداخلي والخارجي مع تصورات الجيش الوطني، وسارع بإغداق أموال الليبيين على بعض مؤسسات العلاقات العامة، وبينها التعاقد مع شركة المسايسة الأميركية "جلوفر بارك جروب" تحت وهم تغيير موقف إدارة الرئيس دونالد ترامب، وتم دفع 150 ألف دولار تكلفة نشر مقال كتبه في "وول ستريت جورنال" مؤخرا.

ويقوم أحمد معيتيق عضو المجلس الرئاسي الليبي بزيارة لواشنطن لحض أعضاء في الكونغرس على إنقاذ حكومة الوفاق، والمساندة في توفير شبكة أمان جديدة للمتشددين في ظل مواجهتهم معركة عسكرية وسياسية حاسمة يمكن أن تقضي على وجودهم القوي في ليبيا والمنطقة برمتها، وحرمان الدول التي دافعت عنهم وتاجرت بهم من أي مزايا.

تعلم أنقرة أن هذه الورقة فقدت جزءا كبيرا من بريقها، وتأثيرات أسلحتها محدودة ومن السهولة اصطيادها، وما لم تخرج من هذه الورطة بإرادها سوف تجد نفسها أمام سلسلة من الضغوط الدولية تجعلها تبتعد عن ليبيا وهي خالية الوفاض. الأمر الذي يؤكد فشل ترتيبات من وضعوا كل بيضهم في سلة دول تناصر الإرهاب.

محمد أبو الفضل








سال حبر كثير حول عنوان المقال وهو سؤال النهضة ولماذا تقدم الغرب وتأخر العرب ومنذ مالك ابن نبي وحتى الان وبما ان السؤال مازال قائما فهذه مشاركة متواضعة كأحد المهمومين بقضاينا الراهنة.

اُطلق اسم عصر النهضة على فترة زمنية استمرت من القرن الرابع عشر الميلادي إلى القرن السابع عشر. وكانت بدايتها في أواخر العصور الوسطى من إيطاليا ثم أخذت في الانتشار إلى بقية أرجاء أوروبا تخللتها حركة ثقافية وفنية بالإضافة إلى التطور الصناعي.

واكب هذا التغير تحول من مجتمع السكون إلى مجتمع المخاطرة.. سمة عصر التغيرات الكبرى حيث نحت المفكر الالماني اوريش بك مصطلح "مجتمع المخاطرة" الذي جاء بعد الثورة الصناعية في اوروبا والتحول إلى الفردانية ونهاية عصر الاقطاع الذي فصل الدين عن الدولة. طبعا المقصود هنا هو الدين الكنسي التي تحالفت مع الاقطاع واستعبد الانسان. كل هذا تجاوز العقل الجمعي ونشأت الظاهرة الفردانية.

هذا ببساطة هو حقيقة التغير الذي حدث في اوروبا: دخول عصر الصناعة وتأثيث فكري لعهد النهضة وداخله مشروع الحداثة.

الظروف الطبيعية والصيرورة قادت إلى تسلسل زمني للتغيير الطبيعي في اوروبا.

بالمقابل كل محاولات التغيير عندنا جاءت قسرية وبالقوة وهنا المشكل. تحول في النمو الاقتصادي دون تنمية... مطالبة بالديمقراطية دون الدخول في العصر الصناعي... مطالبة بالحرية دون التخلص من الابوية.

ولذلك تبدو الاشياء مثل إيحاء بالحركة بدلا من الحركة نفسها. ومعظم المشاريع تؤول للفشل لانها لم تحل المشكل البنيوي اصلا ولجأت لمعالجة المشكل التشغيلي. كمن يريد ان يغير سائق دراجة ذات عجلات مربعة وليست دائرية. مهما غيرنا السائق لن تتحرك.

النهضة من وجهة نظري، مرتبطة بالتنمية المستدامة. والاستدامة شرطها الرئيس هو القدرة على التعامل مع المتغيرات والاهتمام بالتعلم بالاضافة للتعليم.

تعلم يقود للتفكير في حل المشاكل التي تواجه الدولة والمجتمع ويكرس روح المبادرة.

غياب مشروع حداثة حقيقي يقوم على التغير الواعي وليس تغير الطفرة كان هو المعضلة الحقيقة عندنا كشعوب عربية.

كل مفكري الحداثة عندنا تقريبا انتقدوا ونسفوا المشاريع القائمة دون اعطاء بديل لمشروع فكري يصمد امام النقد ويحقق واقع يمكن الاستناد اليه والبناء عليه.

عندما كتب أستاذ العلوم السياسية وأحد أهم مفكرين المحافظين الجدد الكاتب الأميركي من اصل ياباني فرانسيس فوكوياما كتابه "نهاية التاريخ" قامت الدنيا ولم تقعد لهذا الكتاب الجدلي الذي اراد به الكاتب الاميركي الوصول إلى نتيجة هي سيادة النموذج الاميركي للسياسة والاقتصاد في العالم..ولكني ارى الموضوع من جهة أخرى هي أن الاقرب إلى الحقيقة هي أن العالم يتجه إلى نهاية الجغرافيا وليس إلى نهاية التاريخ.

فاليوم وخاصة في العالم الغربي من اميركا وكندا إلى الاتحاد الأوروبي الذي يجمع معظم دول قارة أوربا لم يعد للجغرافيا معنى. فتجد من يولد في ستوكهولم وينتقل للعيش أو للتقاعد في اسبانيا أو اليونان.

لم يعد للشركات العابرة للقارات مقرات رئيسية فحيث جنة الضرائب هي أرضها.

مفهوم ما بعد الدول ترسخ. فأنت تنام في قطار من روما حتى كوبنهاجن أو وارسو ولا يوقظ مضجعك شرطي جوازات يبحث عن تأشيرة.

ثورة الاتصالات قصة أخرى تصب في صالح نظرية نهاية الجغرافيا فلم تعد تحتاج إلى مقر قار بل فقط عنوان الكتروني مجاني على أحد محركات الانترنت مثل جيميل وياهو وهوتميل.

كما أن تحويل الأموال وحجز الفنادق والتذاكر أصبح متاحا عبر جهاز محمول ذكي في حجم كف اليد. كل ذلك نتائج ثورة العقل في مجال الاتصالات واكبت تطلعات البشر من حرية.

تماما مثل نتائج انتقال المجتمع من مجتمع زراعي أقطاعي إلى مجتمع صناعي إبان الثورة الفرنسية التي حررت الإنسان. اليوم الثورة العلمية الثانية التي قضت على الجغرافيا وحدودها ليعيش العالم الحر في نهاية الجغرافيا. ثورة توحد المركز وتفتت الأطراف. ولا عزاء للشعوب المتخلفة التي تعيش خارج التاريخ والجغرافيا.

جانب اخر انتهى مثل انتهاء الجغرافيا وهو التقسيم الطبقي الاجتماعي.

فعندما تحدث ماركس عن الوعي الطبقي كانت الشعوب تعيش في حالة تقسيم طبقي أفقيا، حيث العمال واصحاب العمل والنبلاء.

كل ذلك تلاشي مع عصر جديد عصر حداثة أصبح فيه التقسيم عموديا وليس افقيا.

بمعنى أن تجد طالبا في درجة الدكتوراه -وهي أعلى درجة علمية- يعمل نادلا في مطعم او حامل حقائب في فندق في مرحلة محددة ليستطيع أن يدفع ثمن دراسته الجامعية وتخصصه الدقيق في الطب أو الفيزياء أو الاقتصاد أو القانون.

فلم يعد ممكنا تصنيف هذا العامل انه من طبقة البروليتاريا المسحوقة وهو قريبا سيصبح أهم من صاحب العمل نفسه. هذا الطالب لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يصنف بأنه من طبقة العمال المصنفة في عهد ماركس، بل اصبح الطالب مالكا للسلطة من خلال المعرفة كما قال المفكر الأميركي عالم الاجتماع آلفين توفلر في كتابه "تحول السلطة" عن "المعرفة والعنف والمال مقومات السلطة الثلاثة".

كما ان التقدم التقني خاصة في مجال الاتصالات وشبكات التواصل الاجتماعي خلق نوعا من التواصل المباشر مع المتلقي عبر الحدود دون المرور بحارس البوابة (شبه الأمي) فأصبح ارسال كتاب ومجلد في لمح البصر عبر الانترنت.

وساعد التواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا في سقوط انظمة في ما سمي بظاهرة الربيع العربي.

هذه الثورة غيرت مفهوم السيادة واصبحت السيادة مدى تأثيرك في الاخرين ومدى تأثرك بهم.

ثورة الإتصالات خلقت نوع من الاقتصاد يسمي بالاقتصاد التشاركي. وهو مثل مشاركة مالك السيارة وقت فراغه في عمل يدر دخلا، بغض النظر ان كان صاحب السيارة متعلما ام لا. وهي تجربة شركة أوبر في اميركا واوروبا.. وحتى شركة أيربيأنبي.

كما اصبح في قدرة العامل ان يمتلك اسهم في الشركة التي يعمل بها ولم يعد عاملا فقط بل عاملا وشريكا في نفس الوقت.

بل وكثيرا من المهن اصبحت تدار بروبوت وليس عاملا.

كل هذه التغيرات جعلت علماء الاجتماع يصنفون هذا العصر بعصر الحداثة المتأخرة على رأي عالم الاجتماع البريطاني أنطوني جودنز. عصر الحداثة المتأخرة ربط الإنسان بالتقنية التي حررته من سلطة الإقطاع ولاحقا سلطة الدولة وأصبح يعيش الإنسان في اللا مكان.

فلم يعد المكان ذا قيمة بعد نهاية التاريخ ونهاية الجغرافيا ونهاية التقسيم الطبقي.

كل هذه المتغيرات تتطلب تعاملا مستمرا ومستداما يقود لتحقيق تنمية مستدامة تقود لبرنامج النهضة.

يعتمد برنامج النهضة لأي بلد على ثلاثة مشروعات رئيسية: المشروع الثقافي وتوطين المعرفة وتوظيف التقنية.

فالمشروع الثقافي لابد ان يحض على العمل والابتكار والسلم المجتمعي والابتعاد عن العنف والتكفير والكراهية وهذه مسؤولية الخطاب الديني. فالدين هو عقيدة للمؤمن وحضارة لغير المؤمن يعيش في البلد في امن وامان.

مشروع ثقافي يرفع منسوب الهوية ويؤمن ببناء الدولة ولا ينجر وراء القبلية والنزعة الضيقة او في حزب إيديولوجي عابر للحدود.

مشروع ثقافي يضم العرب في كيان اقتصادي واحد فنهضة الدولة ورائها الامة فنهضة ماليزيا كان ورائها الامة الماليزية واندونسيا وحتى تركيا... مشروع ثقافي يحض على العمل المستمر والدائم يترجم كلمة الفلاح التي نسمعها خمس مرات يوميا إلى واقع وعمل مثمر ومستدام. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لو قامت الساعة وفي يد احدكم فسيلة فلا يقم حتى يغرسها.

مشروع ثقافي يحارب الفساد ويجعل مرتكبه منبوذا حتى وإن كان من سادة المجتمع مصداقا لقول سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. فالفساد هو البالوعة التي تتسرب فيها اموال الدولة دون استفادة ويخلق حالة من الغبن التي تقود كثيرا للعنف والجريمة وحتى الثورة.

اما توطين المعرفة فيبدأ من البحث والتطوير في كل القطاعات لفهم الإطار النظري والاساس المنهجي لطبيعة الاشياء. فالعلم جاء باحثا عن الحقيقة ويقود لاقتصاد منتج يتموضع داخل اقتصاد عالمي ويتفاعل معه يراعي الجودة ومتطلبات البيئة.

اخير توظيف التقنية التي تقلل الفساد والتعامل مع البشر وتقليل الزمن وتقليل السعر ورفع الفاعلية والكفاءة للمنتج والمؤسسة.

فوزي عمار








الكثير من التحليلات السياسية التي نُشرت خلال الفترة الماضية حول الشمال السوري وخاصة ريف حلب الشمالي تماشت مع منطق السيطرة التركية وتوجيهاتها الإعلامية بخصوص تثبيت نقاط استيطانية تركية جديدة في المنطقة تحت مسميات "إنسانية" لم تتطابق أبداً مع الغاية والجوهر.

ولعل أهم المواضيع التي انحصر الحسم فيها لصالح الرؤية التركية الدعائية هو موضوع منطقة تل رفعت السورية التي توّعد أردوغان بالسيطرة عليها خلال خطاب هتافي عنصري في 15 آذار/مارس 2018 إبان الحرب التركية على عفرين السورية، وتوالت التصريحات التركية بعد ذلك في كلّ مناسبة كان يتطلب تهييج بعض مؤيدي أردوغان السوريين ضد الكرد سواء في ريف حلب الشمالي أو شرق الفرات، فلم تكن كلّ تلك التصريحات التركية سوى بمثابة الرسن الذي يجرّ مؤيديه نحو خطط وبرامج تركية ليس للسوريين فيها سوى وقود جثثهم، ومزيد من الكراهية بينهم في الداخل السوري وخارجه.

تل رفعت ومحيطها، التي تتوزع السيطرة عليها عسكرياً وإدارياً بين عدة أطراف (كردية – روسية – إيرانية – النظام السوري) فُرضت عليها الصداقة اللحظية – المصلحية بمواجهة التمدد العسكري والأمني التركي، كانت ضمن البازار التركي – الروسي بعد الاحتلال التركي لعفرين مباشرة، حينها تداولت وسائل الإعلام التركية خطة روسية – تركية لمقايضة تل رفعت مقابل منطقة جسر الشغور في إدلب، ولكن سرعان ما انتشرت قوات النظام بأسلحتها الثقيلة في المنطقة بدعم إيراني ميداني وسياسي واضح في ظل استقواء النظام بوجود عدد كبير من مهجّري عفرين وسكان المنطقة منحه فرصة التثبيت هناك على الرغم من المظالم الكثيرة التي ارتكبها عناصره بحقّ هؤلاء المهجرين.

أما روسيا التي ذهبت عميقاً في الاتفاق مع تركيا لمواجهة القوات الكردية، وخلق ظروف منافسة للتمدد الإيراني، لم تكتفي بفتح الأجواء السورية للطيران الحربي التركي ليكون لاعباً أساسياً في حسم المعركة بين وحدات حماية الشعب والجيش التركي والفصائل السورية المسيّرة من قبل أنقرة في عفرين والتي امتدت نحو شهرين، بل طالبت القوى الكردية هناك وشعب عفرين المهجّر إلى ترك المنطقة والتوجه نحو شرق الفرات، حيث قامت الاستخبارات الروسية حينها بتعليق أعلام الوحدات الكردية على السيارات التي أقلت بعض المدنيين الكرد الهاربين من البطش التركي باتجاه منبج انطلاقاً من حلب وريفها الشمالي لتقوم بعد ذلك بتصوير رتل كبير لسيارات المدنيين مرفوع عليها علم الوحدات، في مشهد أرادت روسيا أن يكون درامياً لمغادرة القوات الكردية المنطقة بمواجهة تعنّت تلك القوات ومهجّري عفرين في التشبث بالمناطق القريبة من عفرين والتي انتزعتها بالدم من داعش في عام 2016.

ما لفت الانتباه أن القوات الروسية كانت تصر دوماً –أكثر من أنقرة- على مغادرة مهجّري عفرين بشكل كامل من المنطقة نحو شرق الفرات، وهو ما اعتبر تماهي روسي مع الخطط التركية في التغيير الديمغرافي وتغيير التركيبة السكانية في عفرين تنفيذاً للاتفاقية الروسية - التركية التي تمّت بموجبها مقايضة غوطة دمشق مع عفرين جغرافياً وسكانياً.

لذا شكلّ تشبث القوات الكردية وأهالي عفرين المهجرين إلى ريف حلب الشمالي وبشكل خاص في تل رفعت عامل حسم لتغيير الخطط، استفاد منها النظام في المرحلة الأولى لتقوية وجوده، ولتعود روسيا إلى الاستفادة منه بعد فترة بمواجهة الاستهداف المباشر لقواعدها في حميميم من قبل الفصائل المسلحة، حينها لم تشعر موسكو بالحرج من العمليات الواسعة للقوات الكردية ضد القواعد التركية في عفرين وإعزاز، وكان شرط إيقاف الهجمات على حميميم يقابله الضغط على القوات الكردية وعرقلة عملياتها في المنطقة لمنح تركيا مزيداً من الراحة لتنفيذ خططها الاستيطانية.

في ظلّ الفشل التركي في تنفيذ اتفاقيات استانا بخصوص سحب مسلحي هيئة تحرير الشام وباقي الفصائل من المنطقة منزوعة السلاح في ادلب وحماة، وتزايد عمليات الاستهداف للقواعد الروسية في حميميم والساحل السوري، لم يكن أمام روسيا والنظام طريق آخر سوى البدء بحملة عسكرية في المنطقة، حيث اشترطت إيران الحصول على الضمان من روسيا بعدم التصعيد في شمال حلب وتل رفعت وكذلك بلدتي نبل والزهراء للتفرغ لمعركة ادلب، لتتسارع العمليات العسكرية بعد لقاء وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف في موسكو، حيث توزعت محاور معركة إدلب بين إيران وروسيا، إيران ستتقدم في ريف حلب الغربي والجنوبي لتصل إلى سراقب، بينما روسيا ستقود المعركة في ريف حماة الشمالي وادلب الجنوبي واللاذقية.

مصادر ميدانية أكدت أن إيران حسمت مسألة تل رفعت بالحفاظ على وضعها الحالي، وبالفعل، منعت روسيا تحليق الطائرات الحربية التركية في الأجواء السورية بعدما دفعت فصائلها السورية المسلحة للهجوم على قريتي مرعناز والمالكية على أطراف عفرين الأسبوع الماضي بعد بيان مقتضب من قبل تلك الفصائل للبدء بمعركة تل رفعت قبل أن تتراجع إلى مواقعها بعد خسارتها الكبيرة في الأرواح إثر اقتصار الدعم التركي بسلاح المدفعية فقط، كما أصدر مركز المصالحة الروسي بياناً لافتاً بخصوص الاشتباكات بعد اجتماع تركي – روسي ميداني في مطار منغ، حذّرت فيها روسيا بشكل غير مباشر أنقرة من استهداف المسلحين المسيّرين من قبلها النظام السوري مرة أخرى في المنطقة، وطالبتها بلجم تلك الفصائل خلال فترة معركتها ضد هيئة تحرير الشام، ليتحول الاتفاق حول تل رفعت من اتفاق روسي – تركي إلى روسي - إيراني كما هو واضح من خلال الخطوات العسكرية التي تتم في الميدان بعيداً عن التكهنات السياسية، في الوقت الذي يسارع النظام إلى إنشاء مراكز لتجنيد الشباب في صفوف جيشه استعداداً لحرب مقبلة تكون التجربة والمعرفة بالجغرافية والتمسك بالأرض والدعم العشائري المحلي عوامل أساسية للحسم فيها.

الموقف الروسي الجديد من قضية تل رفعت هو محصلة اعتقاد يتمثل في أن أي مقايضة جديدة مع تركيا ستجلب لها المتاعب أكثر من الفائدة، وأن الذهاب أكثر في التماهي مع تركيا ستدفع بالمنطقة إلى حرب تركية – إيرانية صريحة لن تبقى بالوكالة كما في السابق، ستربك الوجود الروسي وستدفع بقوى دولية أخرى إلى الدخول في اللعبة في المناطق الخاضعة لروسيا في غرب الفرات، وأن أي توغل تركي جديد سُيعتبر مكسباً للناتو في ظلّ الفشل الروسي في إحداث الفكاك بطريقة مشروعة بين تركيا وأميركا خاصة بعد ما توارد من أنباء عن قرب الاتفاق بين أميركا وتركيا بخصوص المنطقة الآمنة في شرق الفرات.

كما شكلّ الاعتقاد الروسي بأن القواعد التركية المسماة نقاط المراقبة في حلب وحماة وإدلب لم تقدم نموذجاً جيداً لإنهاء الصراع لصالح روسيا يمكن تطبيقه في منطقة تل رفعت، بل كسبت تركيا والفصائل المسلحة من خلالها المزيد من الوقت للململة صفوفها إثر انكساراتها المتتالية في باقي المناطق السورية، ودفعتها إلى بناء قوتها الصاروخية البدائية لتهديد القواعد الروسية وحتى مصالحها في البحر المتوسط، وهو ما حصل خلال الأيام الماضية. أكثر من دليل ميداني أكد على خفض مستوى التنسيق بين روسيا وتركيا في ادلب وحماة خلال الأيام الماضية، حيث تعرضت النقاط التركية في المنطقة إلى هجمات متعمدة من قبل قوات النظام دون ردة فعل واضحة من الجانب التركي والروسي، إضافة إلى غياب التنسيق الواضح في إيصال أرتال التبديل التركية إلى نقاط المراقبة في ظلّ منع الطيران التركي من التحليق لحماية الأرتال التي أضاعت طريقها أكثر من مرة، على تركيا، وليست روسيا كما يبدو، أن لا تنسى بأنها تجاوزت خطوطها الحمراء عندما سمحت لهيئة تحرير الشام بالسيطرة الكاملة على إدلب وريف حلب الغربي، وهددت بشكل علني الوجود العسكري الروسي، وهو أهم سبب يدفع المراقبين إلى الاعتقاد بأن الحرب في ادلب هي روسية تدعمها إيران مقابل توافقات جديدة لصالحها في شمال حلب وجنوبها.

على العموم، تكمن أهمية منطقة تل رفعت العسكرية باعتبارها الخطّ الدفاعي الأول لحلب، ونقطة الوصل بين مناطق درع الفرات وإدلب، والمحيط الآمن لبلدتي نبل والزهراء، وبوابة إعادة السيطرة مجدداً على عفرين وإعزاز والباب، وأي سيطرة تركية عليها ستشكل خطوة أمنية وعسكرية بالغة الخطورة على حلب وإدلب وصولاً إلى الداخل السوري، حيث لا يمكن لروسيا أن تسد ثغرة في ادلب وتفتح ثغرات مماثلة أكثر خطورة في ريف حلب الشمالي والجنوبي، في ظلّ تقدمها اللافت في ريفي حماة وإدلب والصمت الدولي على انتهاكاتها وجرائمها بحق المدنيين هناك، حيث يبدو أنه لا حاجة روسية ماسّة كما في السابق لإرضاء تركيا في جميع المواقف.

كل ما فعلته وستفعله روسيا بخصوص تل رفعت وريف حلب الشمالي هو أن تمنح لأردوغان العديد من الفرص الدعائية الأخرى للتأثير على الرأي العام الداخلي التركي والسوري المؤيد له، وبروزها إلى الواجهة مرة أخرى سيعتمد على حالة التقدم التي ستحققها قوات النظام وروسيا في إدلب وحماة، حيث لم يعد بإمكان تركيا الوصول إليها سوى بالحرب، بينما ستتحين إيران والنظام السوري الفرصة المناسبة لكسر الجمود وإيجاد فجوة مناسبة في منطقتي إعزاز والباب في حال نجاح الحملة على ادلب والوصول إلى أهدافها، وتحشيدات النظام الضخمة التي تتم بصمت في محيط تلك المناطق بالتوازي مع معركة إدلب لا يمكن فهمها سوى أنها تمهيد لما هو أسوأ على صعيد العلاقات التركية مع القوى الأخرى الفاعلة في سوريا.

فرهاد شامي








زحمة السيارات ليست هي الهم الذي يقض مضاجع رواد الطريق فحسب، فلو كانت الزحمة في شوارع طبيعية وطرق نظيفة ونظام مروري محترم لهانت آثارها على الناس، لكننا في الكويت نعاني أضعافاً مضاعفة مع الزحمة بسبب تردي أوضاع الطرق ومصيبة الحصى المتطاير والحفر العميقة، ثم الفوضى المرورية العارمة في الشوارع في كل حين.

لا نشاهد يومياً معالم هذه الفوضى التعيسة من الشباب الطائشين والمتهورين فقط كما كان الناس يشكون في السابق، إنما من قادة الشاحنات الكبيرة قبل السيارات الصغيرة، ومن باصات شركات النقل بأنواعها التي تجوب الشوارع، وهي خالية من الركاب، ومن الدراجات النارية للمطاعم التي يسابقنا أصحابها في السكيك، ومن التكاسي الجوالة التي تقف في كل حارة وبكل جهة، ولا يعبأ أصحابها بمن خلفهم، ومن آلاف السائقين الذين يقودون سيارات مهترئة بدون رخصة أو برخصة منتهية أو حصل عليها بدون وجه حق، كل هذه المعالم عنوانها واحد: ضعف الداخلية وغياب الردع واختفاء رجال المرور من الطريق والجرأة على اختراق القانون.

في كل مشوار تسلكه يومياً تشاهد هذه التجاوزات في وضح النهار، وأما الكارثة الكبرى التي يشترك فيها الشباب والبنات والرجال والنساء بلا مبالاة فهي استخدام الهاتف النقال أثناء القيادة بكتابه الرسائل وقراءتها، والاطلاع على برامج التواصل الاجتماعي والاندماج فيها، ونسيان أمر الطريق في الخط السريع أو عند الدوار أو إشارة المرور، وهذه من أخطر العادات الطارئة علينا في الشارع، وتكاد تكون السبب الأول للحوادث اليومية المختلفة صغيرها وكبيرها، وبغض النظر عن أي قانون فمن الواجب علينا جميعاً أن نكافح هذه الآفة الفتاكة لمصلحتنا ومصلحة كل روّاد الطريق.

من المسؤول عن هذه الفوضى المرورية المهلكة؟ أليست وزارة الداخلية التي نرى دورياتها تقف عند التقاطعات وإشارات المرور في حين ينشغل أفرادها بهواتفهم تاركين واجباتهم الوظيفية في الشارع؟ أليست وزارة الداخلية التي تتصرف مع هذه الأوضاع بردود الأفعال وحسب ما ينشر في وسائل التواصل؟ أليست وزارة الداخلية التي تترك الفوضى المرورية تنمو وتتضخم في ظل غياب خططها الفعالة ووجودها الصادق في الطرق؟

يا ترى ماذا عن المجلس الأعلى للمرور؟ وما دوره؟ وما برامجه؟ وما أعماله التي لا نراها ولا نجد آثارها على أرض الواقع؟ وأخيراً أين الحس الوطني والهم الاجتماعي للمواطن والمقيم في حماية الطريق بالالتزام بالقانون، وترك المخالفات، والإبلاغ عن التجاوزات الخطيرة التي يراها أمامه في كل حين؟

إن الفوضى المرورية كارثة وطنية وخطر محقق على الناس وجب على وزارة الداخلية أن تواجهه بجدية، وتعيد الأمور إلى نصابها حماية لأرواح البشر أولاً، ثم تجميلاً لصورة الوطن.


وليد عبدالله الغانم




1 2 3 4 5 6 7 arrow_red_smallright