top-city logo
top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar top-contact menu-bar Newspapers menu-bar Hadith menu-bar top-home
د. شفيق الغبرا : الإخوان المسلمون وقضية الاجتثاث
منذ الربيع العربي 2011 ومنذ سقوط حكم الرئيس السابق محمد مرسى في مصر في العام 2013 بدأت حملات منظمة، منشأها أجهزة دول تستهدف شخصيات من تنظيم الإخوان المسلمين في طول وعرض الوطن العربي. وقد أصبحت هذه الحملات أكثر زخما في السنوات الماضية، دون وجود مبررات لاستمرار هذه الشيطنة التي تعطي الانطباع وكأن الإخوان المسلمين وراء أزمات مصر والإقليم التي تضاعفت منذ 2013. لم يكن هناك أي مبرر لترك الرئيس السابق محمد مرسى يموت ...
القضية الفلسطينية: بين التطبيع والواقع العربي
إن المتابع للسياسات الأمريكية والإسرائيلية سيكتشف أن قيام بعض العرب بالتماهي مع المروية الصهيونية للتاريخ والنزاع إرضاء للولايات المتحدة وتماهيا مع السياسة الإسرائيلية لن يغير من الطبيعة الاستيطانية والاجلائية والعدائية للصهيونية. بل إن هذا التماهي سيزيد من العنجهية التي تعبر عنها الأساليب الإسرائيلية، وهذا سيطيل من أمد الصراع ويضيف إليه تعقيدات جديدة. إن تقرب بعض العرب من الصهيونية ومن الإدارة ...
يوسف الجوعان :رحمة بالعقار .. ورفضاً للمدن العمالية !
ارحموا عزير قوم ذل، فمسيرة العقار الظافرة استمرت منذ سبعين عاما وبانت عليه أعراض الهرم وأصابه «كورونا» بمقتل الآن، لست من الملاك وكلامي هو للمصلحة العامة ليس إلا. استمعت مؤخراً لوزير المالية السعودي على قناة العربية وكعادة المسؤولين في الشقيقة الكبرى الذين يتحلون بالكفاءة والحزم، حيث شرح على مدى ربع ساعة الوضع القائم وبيّن بشكل مجمل الإجراءات المقبلة التي وصفها انها ستكون مؤلمة وستطول جميع المستويات. ...
الجيش الليبي وإرجاع هيبة الدولة المفقودة
حرب تحرير العاصمة انهت عامها الاول، العسكر تفصلهم بضع كيلومترات عن وسط المدينة، ولان العالم منشغل بوباء الكورونا وانخفاض اسعار النفط، فان الرئيس التركي اعلن عن تدخله السافر في الشأن الليبي ما جعل الجيش يغيّر حساباته، لم تعد المعركة مع ميليشيات الوفاق التي اوشكت على السقوط، بل مع قوات تركية غازية مدججة بكافة انواع الاسلحة المتطورة، تقود بنفسها العمليات الحربية، تضم في صفوفها عديد المرتزقة السوريين، ...
الشرعية في اليمن... جزء من المشكلة
طبيعي ان تُحمّل الحكومة اليمنية "الشرعية" المجلس الانتقالي الجنوبي وقياداته "المسؤولية الكاملة عن عدم تنفيذ بنود اتفاق الرياض، وصولاً الى الانقلاب الكامل على مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن من خلال بيانهم الصادر يوم السبت 25 نيسان -ابريل 2020". طبيعي اكثر ان تعتبر الحكومة "الشرعية" اعلان المجلس الانتقالي قيام الادارة الذاتية وحال الطوارئ في المحافظات الجنوبية "تمرداً واضحاً على الحكومة الشرعية ...
العواقب الوخيمة لضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل
سيضع تشكيل حكومة ائتلافية إسرائيلية بقيادة نتنياهو وغانتس، زعيمي الليكود وكاهول لافان على التوالي، نهايةً للشلل السياسي الذي استمر 18 شهرًا تقريبًا في إسرائيل، والآن التنافس الشخصي بعد ثلاثة انتخابات. اتفق الطرفان على مجموعة من المسائل الإجتماعية والإقتصادية والأمنية الهامة. وعلى أية حال، فإن أكثر القضايا المشؤومة التي تبنّوها بقوة هي ضم مساحة كبيرة من الأراضي الفلسطينية على أساس خطة ترامب “السلام ...



كانت إدلب فخاً نصبته روسيا للحالمين السوريين ولم تكن حلا إلا بالنسبة للجماعات الارهابية التي تفرق أفرادها الأجانب بين البلدان ما أن خرجوا أحياء بفضل صفقات مريبة رعتها دول معروفة.

بالنسبة للتنظيمات الجهادية وهي شركات أمنية تتألف من مرتزقة استأجرتهم قوى وجهات دولية من أجل توسيع دائرة الحرب في سوريا فإن تلك الحرب كانت قد انتهت في إدلب. اما السوريون الذين أبوا الاعتراف بأن الطريق قد أغلقت فإنهم أوهموا أنفسهم بأن إدلب ستظل محمية باعتبارها الجدار الأخير الذي يخطون عليه شعارات الحرية.

كانت الكذبة أكبر من أن يتمكنوا من كشف تفاصيلها. ولم يكن الرهان على الوقت صحيحا. ذلك لأن الأوراق اختلطت. ولم تعد المعارضة لتقوى على قول الحقيقية بعد أن تم استضعافها وتدهورت مصداقيتها في ظل التمويل غير الطبيعي الذي تمتعت به الجماعات الارهابية.

لذلك تحولت إدلب من جنة للمقاومة إلى مأوى للعيش الأمن.

غير أن ذلك لن يستمر طويلا. فالدولة السورية مطالبة باسترداد أراضيها وفرض سيطرتها على حدودها وهو ما لا يمكن تحقيقه من غير استعادة إدلب بعد ريف حلب.

لا أعتقد أن أحدا يمكنه الاعتراض على ذلك.

مطلب قانوني طبيعي ينطوي على الكثير من وجوه المأساة.

فسوريو إدلب الذي هم نازحون أصلا لن يكون أمامهم سوى أن يقوموا بنزوح جديد. ولكن إلى إين؟ سيكون علينا أن نفكر بحيرة أكثر من مليون شخص صاروا عالقين بين وهمين. وهم الإبادة الذي قد لا يكون حقيقيا إلا إذا كان القرار يقوم على أن تتم استعادة إدلب أرضا محروقة ووهم اللجوء إلى الأماكن التي لن لم تصل إليها نار الحرب حتى الآن وقد تصلها في أية لحظة.

علينا أن نتخيل مشهدا ثقيل الوطأة على الروح. مليون إنسان هم شعب يطارد مصيره من غير أن يلتقط الخيط إلى حقيقة ما سينتهي إليه.

أطفال ونساء وشيوخ وشباب. الجميع على حد سواء يشعر أن ثيابه معبأة بالخوف وأن هناك مَن يتعقبه ليقتله.

الجريمة التي ارتكبت بحق السوريين لم تبدأ في إدلب. إدلب هي خلاصة الفجيعة. من اليسير هنا أن نلقي عبء الجريمة على النظام. صار ذلك مشاعا. ولكنه لا يمثل الحقيقة كلها.

إدلب تكشف عن وجه آخر من وجوه الحقيقة السورية. هو وجه الضحية التي غدر بها الجميع. فهؤلاء الذين تضيق بهم الأرض الآن لم يكونوا مقاتلين. لقد دفعوا إلى أن يكونوا في المكان الخطأ. غررت بهم الجماعات المسلحة المهزومة ولم يكونوا على ثقة بالنظام.

تلك حلقة منسية من حلقات الحرب في سوريا. وكم كان لاجئو إدلب سعداء بنسيانهم. كانوا سعداء لأن الجماعات الارهابية حملت أموالها وهربت غير أن النظام لم يبذل جهدا في تهدئة مخاوفهم.

ذلك ما سيدفع بهم مرة أخرى إلى الفراغ.

على المستوى الإنساني فإن النظام يرتكب حماقة كبرى في عملية عسكرية يقوم بها لأسباب وطنية. في تلك الحالة يمكن تقديم الإنساني على الوطني. فليست سوريا في حاجة إلى أن تضيف صفحة جديدة إلى صفحات سجلها المأساوي. غير أن الأمر قد يتخطى ارادة النظام. ذلك لأن تركيا وروسيا تساهمان في تأجيج الوضع في إدلب بما لا يساعد على البحث عن حل إنساني لمسألة شائكة.

لاجئو إدلب هم ضحايا غير أن انقاذهم أمميا صعب.

فالدولة التي لا يثقون بنظامها من حقها قانونيا أن تعيد بسط سيطرتها على إدلب. وهم يعتقدون أنهم سيكونون مواطنين غير مرغوب بهم. كان من الممكن أن يكون الحال على غير ما هو عليه لو أن الدولة حاولت أن تطمئنهم إلى مصيرهم. ولكن الوقت أعمى.

لذلك فإن إدلب تخون التاريخ وتخلص إلى الجغرافيا.

فاروق يوسف






في مثل هذه الايّام، قبل 41 عاما، بدأ تظهر التحولات العميقة في ايران. فبعد ايّام قليلة على عودة آية الله الخميني من باريس، في شهر شباط – فبراير من العام 1979، تبيّن انّ الثورة الشعبية التي أطاحت الشاه ونظامه بدأت تأخذ منحى مختلفا عمّا كان يعتقده ويؤمن به الايرانيون العاديون. هؤلاء كانوا يطمحون الى قيام نظام افضل من نظام الشاه... اذا بهم بعد أربعة عقود يترّحمون على الشاه ونظامه.

ظهر بعيد عودة الخميني الى طهران انّ هناك نظاما جديدا بدأ يثبت نفسه تحت تسمية "الجمهورية الإسلامية". لا يحترم هذا النظام أي سيادة لأي دولة من دول المنطقة على أراضيها. يعتبر نفسه متخطّيا للحدود المعترف بها دوليا. بالنسبة اليه، ان الرابط المذهبي يتجاوز حدود الدول. لذلك، نجد ايران اليوم في العراق وفي سوريا وفي لبنان وفي اليمن، مباشرة او عبر ميليشاتها المذهبية!

هناك جملة قصيرة صدرت عن الخميني تلخّص الكثير من نمط تفكيره وطموحاته. ففي الطائرة التي اقلّته من باريس الى طهران، سأله مراسل أميركي بعدما بدأ الركاب يشاهدون الأرض الايرانية من نوافذ الـ"بوينغ 747" التابعة لشركة "آر فرانس": ما هو شعورك وانت الآن فوق ارض وطنك؟ جاء جواب الخميني: "لا شيء". تقول هاتان الكلمتان كلّ شيء. ليست ايران التي تهمّ الخميني. ما يهمّه هو تصدير الثورة. لا يزال تصدير الثورة، يشكّل الى اليوم، لبّ تفكير النظام الايراني. لا يزال اللبّ على الرغم من ان تصدير الثورة لم يجرّ سوى الخراب. جرّ الخراب على ايران نفسها وعلى كل دولة او ارض وجدت فيها ايران، بما في ذلك قطاع عزّة.

كانت رحلة السنوات الـ41 طويلة. استطاعت ايران تغيير المنطقة نحو الاسوأ في اتجاه تفكيك عدد من الدول العربية من داخل، فضلا عن القضاء على أي امل بإيجاد تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

هذا "نجاح كبير"، وانّ من الناحية السلبية، للثورة الايرانية التي رسم مسارها الخميني، بعد سقوط الشاه. قبل ذلك، كانت هناك أصوات مختلفة، بعضها ليبرالي عبّر عنها تشكيل حكومة مهدب بازركان التي لم تعمر طويلا. ارادت الأصوات الليبرالية اخذ ايران في اتجاه الدولة العصرية ذات الدستور المستوحى من دساتير الدول الديموقراطية في أوروبا. لم يحدث شيء من هذا القبيل. شيئا فشيئا، راحت ايران تتجه نحو التحول الى بلد متزمت يتحكّم به "المرشد الأعلى" الذي هو الآن علي خامنئي وذلك في ظل نظام ولاية الفقيه. في الواقع، من يتحكّم بايران هو "الحرس الثوري" الذي يسيطر على قسم كبير من الاقتصاد ومفاصل الدولة.

في مسيرة الـ41 عاما، هناك جوانب يرى فيه النظام نجاحا. لكنّ هذا النجاح الذي ليس سوى غطاء لكارثة حلّت بالمنطقة كلّها، لا ترجمة له في المدى الطويل على ارض الواقع. هناك تجميع لأوراق لا يمكن صرفها عبر تحويلها الى مكاسب سياسية تجعل من ايران قوّة إقليمية مهيمنة.

عاجلا ام آجلا، هناك أسئلة ستفرض نفسها. ماذا تفعل ايران في العراق او في سوريا او في لبنان او في اليمن... او في غزّة؟ الجواب بكلّ بساطة انّ حكومة عراقية برئاسة محمّد توفيق علاوي ليست اكثر من وهم تتعلّق به ايران لاثبات انّها ما زالت صاحبة القرار في العراق. امّا مقتدى الصدر، الذي تحوّل اداتها المفضّلة هذه الايّام، فما الذي يستطيع تقديمه الى العراقيين غير تحوّله الى وسيلة قمع للتحرّك الشعبي الواسع بواسطة "القبعات الزرق" التي ليست سوى ميليشيا أخرى تضاف الى الميليشيات الايرانية المنتشرة في كلّ انحاء المنطقة؟

يمكن الذهاب الى الحديث عن الميليشيات الايرانية في اطار الحرب على الشعب السوري المستمرّة منذ تسع سنوات والتي ادّت الى تفكيك سوريا. كذلك يمكن الحديث عن دور "حزب الله" في إيصال لبنان الى حال الانهيار التي وصل اليها من اجل ان تقول طهران انّه صارت هناك مدينة على البحر المتوسط تحت سيطرتها. هذه المدينة هي بيروت التي تمر هذه الايّام بظروف في غاية الصعوبة، خصوصا في ظلّ رغبة الحاقدين في تدمير وسطها إرضاء لرغبة "حزب الله" ومن خلفه ايران في نشر البؤس في كلّ مدينة عربية ذات عراقة، خصوصا المدن ذات الطابع السنّي او السنّي - المسيحي.

ستترك ايران خرابا كبيرا في المنطقة كلّها. في البصرة وبغداد والموصل وحلب وحمص وحماة ودمشق وبيروت وصنعاء. كشفت السنوات الماضية، الممتدة منذ العام 1979، انّها لا تتقن سوى التخريب. ولكن مثلما كانت 1979 سنة مفصلية على الصعيد الإقليمي، ستكون السنة 2020 سنة مفصلية أخرى من نوع آخر. في بداية تلك السنة استطاعت الولايات المتحدة تصفية قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في"الحرس الثوري" الايراني بعيد مغادرته مطار بغداد الذي وصل اليه قادما من دمشق.

كشف اغتيال سليماني، ومعه أبو مهدي المهندس، نائب قائد "الحشد الشعبي" ايران على حقيقتها. تستطيع "الجمهورية الإسلامية" تنفيذ سياسة ذات طابع تخريبي على كلّ صعيد وفي كلّ مكان تصل اليه ميليشياتها، لكنّه عندما يوجد من يقول لها انّ كفى تعني كفى، فهي لا تعود تمتلك سوى الصراخ والتهديدات الفارغة من ايّ مضمون. يتبيّن، كلّما مرّ الوقت، كم تعني عملية تصفية قاسم سليماني. انّها تعني قبل أي شيء آخر انّ العد العكسي بدأ. لم يعد امام "الجمهورية الإسلامية" سوى مواجهة الحقيقة العارية. تقول هذه الحقيقة بالفم الملآن ان ايران ليست سوى دولة من دول العالم الثالث لا يفرّق فيها "الحرس الثوري" بين طائرة مقاتلة وطائرة ركّاب اوكرانية أقلعت من مطار مهاباد في طهران. تختزل جريمة اسقاط طائرة الركاب الاوكرانية المآسي التي ولدت من رحم "الجمهورية الإسلامية"، في ايران نفسها وفي طول المنطقة وعرضها. من بغداد، الى دمشق، الى بيروت، الى صنعاء... الى قطاع غزّة حيث لم يعد يوجد عاقل يسأل كيف يمكن تحرير فلسطين انطلاقا من قطعة ارض صغير لا يجمع بين المقيمين فيها سوى الفقر والبؤس والجهل...

من الآن، الى ان يعي النظام الايراني ان العد العكسي بدأ وان تصفية قاسم سليماني التي ترافقت مع تشديد للعقوبات الاميركية، سيحل مزيد من الخراب حيثما وجدت ميليشيا مذهبية تابعة لـ"الحرس الثوري". هل سيكون في المستطاع اصلاح ما خربّته ايران في 41 عاما... امّا انّ ما كتب للمدن العربية الأساسية العريقة في منطقة الهلال الخصيب وفي اليمن هو بمثابة قدر لهذه المدن!

خيرالله خيرالله






المجتمعون في برلين تمسكوا وبقوة باتفاق الصخيرات رغم انهم يعترفون بأنه لم يتم تطبيق غالبية بنوده خاصة المتعلقة بتفكيك الميلشيات وإيجاد حل لمنتسبيها، لكنهم تغاضوا عن ممارسات الرئاسي وحكومته في اهدار المال العام. تفرد رئيس المجلس الرئاسي باتخاذ قرارات دون الرجوع الى بقية الأعضاء الامر الذي يعد مخالفة للنصوص المتعلقة بعمل المجلس الرئاسي وكان الاجدر بالبعثة الاممية اتخاذ موقف صارم عقب انسحاب اربع من اعضائه وذلك بإعادة تشكيله، الامر الذي ساهم في تغول رئيس المجلس وأصبح يمتلك السلطات الثلاث (تشريعية وتنفيذية ورقابية) يصدر ما يشاء من قرارات لم تكن في صالح الشعب. ووصل به الاستخفاف الى ابرام اتفاقيتين مصيريتين طويلتي الاجل مع تركيا يترتب عنهما التزامات للدولة الليبية احدثتا ردود سلبية بالساحة الداخلية واعتبر ارتماء في احضان تركيا الاستعمارية، اما دول الجوار فاعتبرته تدخلا سافرا بشؤونها الداخلية.

العديد من القرارات صدرت مؤخرا عن مجلس النواب الليبي، ومنها تنصله من اتفاقية الصخيرات (اقرها بشروط) بحجة عدم الاخذ بشروطه من قبل المجتمع الدولي، وعدم تضمينها بالإعلان الدستوري وعدم نيل الحكومة الثقة من البرلمان مرتين متتاليتين، كما ان البرلمان اتهم كل من رئيس المجلس الرئاسي ومحافظ البنك المركزي بالخيانة العظمى، بشان جلب مرتزقة لمقاتلة الجيش الوطني وتبذير المال العام وأحالتهما الى النائب العام.

لقد شارك البرلمان بحوارات الصخيرات بأربعة اعضاء احدهم (النائب الاول لرئيس البرلمان) تم شراء ذمته حيث وقع على الاتفاق دون الرجوع الى مجلس النواب، وكافاه المجلس الرئاسي بان كلفه العمل بإحدى السفارات، اما الاعضاء الثلاثة الاخرون فقد تم تغييبهم وللأسف كانوا بالمشهد مجرد ديكور.

نعتقد جازمين وبعد مرور عقد من الزمن على التدخل الدولي الاجرامي بحق الشعب الليبي، ان الامم المتحدة تراهن على عامل الوقت لإعطاء جرعة انعاش لمجلس الوصاية، فهي لم تفعل شيئا حيال التدخل التركي السافر في الشأن الليبي وإدخال السلاح والمرتزقة لمساعدة حكومة الاخوان في طرابلس، فاخترعت 3 محاور لحل الازمة: اقتصادي، سياسي، عسكري.

بخصوص المحور السياسي لحل الازمة الليبية فإن الامم المتحدة طلبت من البرلمان ومجلس الدولة ترشيح 13 عضوا عن كل منهما وتقوم المنظمة الاممية باختيار 14 عضوا من المجتمع المدني لإحداث نوع من التوازن على غرار حل الازمة السورية.للاجتماع في جنيف خلال الشهر الحالي (فبراير) لتشكيل مجلس رئاسي وحكومة موحدة.

يتبادر الى ذهن المواطن الذي لم يعد قادرا على الايفاء بحاجياته بسبب غلاء الاسعار سؤال:هل يقبل البرلمان التفاوض مع مجلس الدولة (جميع اعضائه من الاخوان)، المنبثق عن الصخيرات (التي سحب اعترافه بها!) والذي سعى طيلة الفترة الماضية الى ان يأخذ دور مجلس النواب كجسم تشريعي بدلا عن دوره كاستشاري للمجلس الرئاسي ليس إلا؟ وهل يقبل البرلمان بان تذهب تضحيات منتسبي المؤسسة العسكرية والقوى المساندة هباء منثورا، وان تتحول الانتصارات العسكرية الى انكسارات تكون لها عواقب وخيمة على مستقبل البلد ووحدته الترابية؟

اما الشأن العسكري فان حوار ما يعرف بـ (5+5) في جنيف لم يسفر عن شيء ايجابي، وهناك رغبة عن استئناف المحادثات لاحقا.والهدنة اخترقت اكثر من مرة من جانب مجلس الوصاية، وقد تنفس الصعداء بالمساعدات التركية المتمثلة في الاسلحة الثقيلة وآلاف المرتزقة السوريين، حيث كان قاب قوسين او ادنى من السقوط المدوي.

مما لاشك فيه ان مهمة البرلمان صعبة ولكنها ليست مستحيلة، انها معركة مصير، المحور السياسي يقع على نواب الأمة وشرفائها، نتمنى ان تتم دراسة الامور بكل عناية وروية، واختيار اناس اكفاء يجيدون لغة التحاور وعلى معرفة تامة بدهاليز السياسة، لم يعد مسموحا بعد اليوم التهاون في التعامل مع الطرف الاخر، الذي جلب المرتزقة باعتراف رئيس المجلس الرئاسي، بأنه على استعداد لفعل اي شيء والتعاون مع اي كان لصد المعتدين عن العاصمة، وفي الحقيقة فان معركة طرابلس يعتبرها اخوان ليبيا ومن ورائهم التنظيم العالمي للإخوان المسلمين معركة وجود، سقوطهم في ليبيا ستكون له عواقب وخيمة على دول الجوار.

ميلاد عمر المزوغي








احيت روسيا قبل ايام ذكرى واحد من اشهر واخطر مؤتمرات القرن العشرين، مؤتمر يالطا، الذي عقد في جزيرة القرم السوفيتية يوم 4 شباط 1945، وجمع الثلاثة الكبار، روزفلت وستالين وتشرشل. كان الهدف المعلن للمؤتمر هو القضاء على النازية ومحاكمة رموزها. لكن الحقائق المخفية التي انتهت اليها مخرجات المؤتمر، ظلت تتكلم على مساحة واسعة من الارض، ومازالت اثارها وتداعياتها ماثلة الى اليوم. استمرت الجلسات من 4 الى 11 شباط. تفاهم خلالها الزعماء الكبار على تقاسم النفوذ في العالم، بعد ان رسموا لجيوشهم خرائطها العسكرية لحسم المعركة، ورسموا ايضا الخرائط السياسية المستقبلية. لقد وضعوا خطا فاصلا تقف عنده جيوش المعسكرين، التي ستلتقي لاحقا في برلين، وكان لابد من ان يأخذ كل طرف حصته منها، وليفرض عقيدته عليها ايضا. ففي كل الاحوال، سيجد من يتعاون معه، ايمانا بها، او خوفا وطمعا بمنصب!

لم يكن الامر بافضل منه في كوريا، المستعمرة اليابانية التي فقدت سيادتها منذ العام 1910 وتم خلع امبراطورها غو جونغ فعادت محررة في العام 1945 ببركة اتفاق القرم، الذي سيتحول الى لعنة دفع ثمنها الشعب الكوري ومازال، الثمن غاليا، اذ تقاسمها الجباران، الجنوب للاميركان والشمال للسوفييت. وحين حاول الشماليون، توحيد البلاد تحت العلم الشيوعي، بدفع من الصينيين وليس السوفييت، صار الحد الفاصل بين الشطرين، نهرا من دم، بعد قتل اكثر من ثلاثة ملايين كوري، من دون ان يتزحزح اي من الجبارين عن استحقاقاته لصالح الاخر، ليبقى الواقع على ما هو عليه الى اليوم، حتى بعد ان تغيرت الدنيا وتبدلت العقائد، كونها بالاساس، اقنعة للمصالح، التي هي الابقى والاكثر ثباتا على الارض.

المأزق الاكبر الذي تركه هذا المؤتمر، كان في الشرق الاوسط، مخزن الطاقة الذي ورثته الولايات المتحدة من سابقتها بريطانيا، وتحالفتا على ان لا ينافس نفوذهما فيه السوفييت او غيرهم، لانه يمثل عصب الاقتصاد العالمي، ليس بالضرورة لحاجة اميركا وبريطانيا للطاقة، بل، وهذا هو الاهم، للتحكم باسعار هذه السلعة الحيوية، التي يتحرك اقتصاد الدول على ايقاعها، وتهبط وترتفع اقيام عملاتها بسببها. السوفييت، وهذه حقيقة تأكدت للجميع، تنازلوا للاميركان عن الشرق الاوسط، لاسيما دول منطقة الخليج، فجعلوا قوى اليسار الشيوعي اشبه بعروس الوعد الذي لن يجيء، وان اية محاولة من اي حزب شيوعي او ماركسي، لاستلام السلطة في اي بلد من بلدان هذه المنطقة، تصطدم اولا بالحاجز السوفيتي، وكأن لسان حالهم يقول، لا تجعلونا في مواجهة مباشرة مع الاميركان، لقد تقاسمنا الحصص، وانتهى كل شيء!

نعم، هذه هي الحقية المرة التي لم يدركها اكثر اليساريين العرب والعراقيين، من الذين دفعوا اثمانا باهظة فيما بعد، لان احلامهم تجاهلت هذه العقبة الواقعية. فسال الكثير من الدم وضاعت الكثير من السنين وتعطلت الكثير من الكفاءات، لانها وجدت نفسها اما محيّدة في بلدانها لاسباب سياسية، او هجرتها للمنافي.

لاشك ان اسرار مؤتمر يالطا كثيرة، وبعضها بات معروفا وبعضها الاخر مازال طي الكتمان. لكن السؤال الذي يطرح نفسه امام انظمة منطقتنا اليوم، وبعد التجربة المريرة الطويلة، هل بامكاننا ان نسلك طريق الاستقلال الفعلي، مع وضع مصالح الاميركان والروس في الحسبان؟ الجواب الذي يعرفه كل عاقل، هو؛ نعم، لكن حين تتوحد رؤية دول المنطقة لمستقبل شعوبها، بعيدا عن اية تهويمات عقائدية، تعمل على استعداء الشعوب لبعضها، وتستنزف ثروات وامكانيات الدول، كنتيجة لهذا العداء غير المنتج، وان نتعامل بواقعية مع مشاكل منطقتنا، بموازاة ادراكنا لحساسيتها العالمية، فعندها نكون قد وضعنا الجميع، كبارا وصغارا امام واقع جديد، يفرض عليهم احترامنا، مثلما يقطع عليهم وسائل التدخل في شؤوننا.

الاميركان والروس، موجودون الان في المنطقة، وان تنسيقا عالي المستوى بينهما، لان لكل منهما مصالحه التي يعرف كيف يحافظ عليها بالتفاهم، لكننا للاسف لم نعرف تماما، اين تكمن مصالحنا، وكيف نسلك الطرق الصحيحة اليها، فاصبحنا من حيث ندري او لاندري، ادوات لتنفيذ مصالح الاخرين، بل ومطالحهم ايضا، ارضاء لشهوة العداء المستحكمة بين الانظمة.. الانظمة وحدها!

عبدالأمير المجر









قد يكون مستقبل سوريا ومصير التسوية المقبلة رهن ما سيحدث خلال الساعات والأيام المقبلة. ليس في الأمر مبالغة، ذلك أن ما ترسمه النيران من خرائط يشكل أرضية حقيقية لطبيعة موازين القوى الإقليمية والدولية المعنية بالشأن السوري. يكفي تأمل طبيعة الخلاف المتصاعد بين روسيا وتركيا، كما تأمل الموقف الأميركي اللافت والطارئ، للتأكد من أن الوجبة السورية تطبخ هذه الأيام، وأن توابل العواصم تتدخل على نحو سافر وارتجالي لتغيير ما يعده الطباخون في موسكو.

ومن الجائز أن ننضم إلى المشككين في إمكانية حصول صدام حقيقي بين أنقرة وموسكو فوق الأراضي السورية. غير أنه، مع ذلك، وجب عدم التقليل من جدية الخلافات المندلعة بين سوريا وتركيا من جهة، ومن امتحان العناد في طباع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين من جهة ثانية. والواضح أن هوامش المناورة تضيق على البلدين والزعيمين، وأن عامل الوقت العزيز على قلب الكرملين لا يتواءم مع عامل التوقيت داخل أجندة الحاكم في أنقرة.

يعوّل بوتين شخصيا على معركة سوريا لتعزيز سلطته الحالية وتلك التي يخطط لتعزيزها في المستقبل في روسيا منذ استقالة (إقالة) رئيس الحكومة الروسي ديمتري ميدفيديف. فاجأ بوتين الروس ومؤسساتها السياسية والعسكرية باقتراح إصلاحات دستورية لتغيير مشهد السلطة والسلطان في روسيا. وعلى هذا فإن انتصاره السوري ركنٌ مفصلي في فرض نفسه زعيماً فوق العادة في موسكو.

بيد أن الرجل بنى أرضية إطلالته على العالم، لا سيما منذ عام 2015، على قدرة بلاده على احتكار إدارة ملف سوريا عسكريا وسياسيا دون منافس أو بديل.

تلقى بوتين ما يشبه مباركة أميركية و"صمتا" غربيا ملتبساً للشروع بورشته النارية في سوريا بعد ساعات فقط على لقاء جمعه بزعيم البيت باراك أوباما في نيويورك خريف ذلك العام. وبناء على تلك "الوكالة" يعوّل بوتين على حسم عسكري سريع في سوريا بغية تحقيق نصر نهائي يتيح لروسيا حصد ثماره في السياسة والمال والاقتصاد.

تحت سقف "الوكالة" أجاد الرئيس الروسي استغلال طموحات إيران وتركيا والتعامل بحذاقة ماكيافيلية مع أطماع إسرائيل.

جرى أن الولايات المتحدة وإسرائيل شاركا الرئيس السوري العمل على تضييق خناق النفوذ الإيراني داخل سوريا وجعله متواضعا مرنا لا يتجاوز المسموح روسيا على الرغم من الطابع التنافسي الذي يظهر سواء داخل منظومة النظام السوري أو على خرائط العقود والمنافع الاقتصادية في سوريا. ولم يعد خافيا على أي مراقب أن قصف المواقع والقوافل والأرتال التابعة لإيران وميليشيات، تارة من قبل الأميركيين وتارة من قبل الإسرائيليين، يحمل ماء غزيرا إلى طاحونة بوتين في سوريا.

وجرى أن بوتين الذي يحتاج إلى الشراكة مع تركيا لإخضاع المناطق الواسعة التي سيطرت عليها المعارضة، تمكن في لحظة إسقاط الأتراك لمقاتلة روسية عام 2015 من إخضاع أردوغان نفسه، والدفع به إلى الإشراف على شلّ المعارضة السورية وإجبارها على التسليم بشروط مناطق خفض التصعيد الثلاث وقبولها "الهجرة" نحو المنطقة الرابعة (إدلب).

على أن الصدام بين روسيا وتركيا هذه الأيام ليس مفاجئا بل هو حتمي لا بد منه.

بدت إدلب معركة بوتين الأخيرة لبسط سيطرة نظام دمشق على كامل الأراضي السورية بالمعنى السياسي للأمر، حتى لو أن المناطق التي يسيطر عليها الأكراد من خلال قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، كما تلك التي ما زالت محسوبة على الحضور الأميركي تمنع عن بوتين وحلفائه ذلك النصر الشامل.

ولئن يحتاج بوتين لسقوط إدلب ليربح كل شيء، فإن أردوغان بات يرى في الأمر خسارة لكل شيء. والمسألة جدية بالنسبة للأمن الاستراتيجي التركي، ذلك أن كل المناطق الشمالية السورية، من شاطئ البحر المتوسط غربا حتى الحدود السورية العراقية شرقا، هي جزء دائم من خرائط الأمن والمصالح التركية أيا كان الحاكم في أنقرة.

وعلى هذا، وفي غياب أي تسوية تضمن لتركيا مصالحها في الأمن والاقتصاد والسياسة، فإن أنقرة قد تذهب بعيدا في المخاطرة بالصدام، حتى بطابعه العسكري الكبير.

وعلى هذا أيضا، فإن أردوغان الذي لطالما أفرط ببراغماتيته على حساب المعارضة السورية وفصائلها، فإنه من خلال إرساله لرجل المخابرات الأول حقان فيدان للقاء رجل المخابرات الأول لدى نظام دمشق علي مملوك في موسكو قبل أسابيع، لوّح بما يمكن أن تذهب إليه أنقرة من تطبيع في علاقاتها مع دمشق حال توفر معادلة تضمن مصالح تركيا العليا.

والواضح أن انهيار الجبهات العسكرية، بما في ذلك قيام نيران قوات دمشق بمهاجمة أهداف تركية وقتل جنود داخلها، يكشف عن فشل اجتماع فيدان-مملوك، لكنه يكشف أيضا عن غضب روسي منح دمشق ضوءا أخضر لتنال نيرانها من الحضور التركي في سوريا. كما أن استمرار العملية العسكرية لقوات دمشق على رغم تواصل الرئيسين التركي والروسي واجتماع وفد روسيا بوفد تركيا قبل أيام، يوحي أن جدل النار أولوي على جدل الدبلوماسية.

لكن الأمور قد تظهر مفاجآت ليست في الحسبان. في ذلك أن الأتراك يحشدون عسكريا على نحو يوحي باستعدادهم لخوض حرب كبرى، فيما تطل الولايات المتحدة على نحو غير مفهوم لكنه مربك لروسيا ومربك لتركيا.

وقد تتفاجأ أنقرة بالموقف الأميركي المباشر في دعمه للموقف التركي داخل سوريا، ذلك أن واشنطن لم تقدم على نحو جلي ما كانت أنقرة تصبو إليه للتخلص من "الخطر الكردي" شرق الفرات. قدم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو موقف بلاده الداعم إلى تركيا دون أن تفهم أنقرة معاني هذا الدعم ومفاعيله العملية، بحيث جاءت لفتة واشنطن غير مقنعة لأردوغان لكنها ليست هامشية بالنسبة لبوتين.

ألحقت الولايات المتحدة إعلانها الداعم لتركيا بموقف أكثر إرباكا عبر عنه المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري. اعتبر الرجل أن تحرك موسكو في إدلب هو "تحرك لروسيا لتحدي وجود الولايات المتحدة في المنطقة".

لا تريد واشنطن "إخراج الروس من سوريا" ولا إسقاط نظام دمشق، وفق تصريحات جيفري المفاجئة، قبل أن يخلص إلى أن بلاده تريد "أن تتصرف سوريا كدولة طبيعية ومحترمة لا تجبر نصف سكانها على الهروب ولا تستخدم الأسلحة النووية 10 مرات ضد مواطنيها ولا ترمي قنابل محترقة عليهم ولا تسبب أزمة لجوء كادت تسفر عن إسقاط حكومات أوروبا، ولا تسمح للإرهابيين مثل عناصر هيئة تحرير الشام أو داعش بالتنامي والازدهار".

في موقف واشنطن ما يعلق "وكالة" أوباما لبوتين وما يخلط كافة الأوراق بما يعيد ترتيب المشهد وفق شروط جديدة تعود فيه الولايات المتحدة لطرح نفسها شريكا أصيلا في أي نهايات تحضر لسوريا. تنصت أنقرة جيدا إلى هذا التطور وفي البال أن التجارب السابقة مع واشنطن لا توحي بأي ثقة يمكن التعويل عليها هذه الأيام. بيد أن لا خيار لأردوغان إلا الهروب إلى الأمام لعله يجد في مزاج الأميركيين الطارئ ما يهديه إلى مخارج السلامة.

محمد قواص








خفض إنتاج النفط سيزيد من العجز المالي في ميزانيات معظم دول مجلس التعاون ولن يساهم في رفع سعر النفط لوجود وفرة في الكثير من الدول النفطية من خارج منظمة أوبك، بالإضافة إلى أن هناك دول من داخل المنظمة لم تلتزم بقرار الخفض مثل العراق ونيجيريا وكذلك روسيا لم تلتزم ومترددة حاليا في زيادة بحوالي 400 الف برميل في الحال ليصل إجمالي الخفض إلى أكثر من 2 مليون برميل في اليوم الواحد.

وسعر النفط انخفض بأكثر من 11 دولار للبرميل بسبب الفائض النفطي والآن بسبب فيروس كورونا، الذي أدى إلى خفض معدل استهلاك النفط من الصين بحوالي 3 ملايين برميل وخفض معدلات التكرير في أكبر دولة مستوردة للنفط، ليصل سعر برميل النفط إلى 55 دولار، وقد يكون هذا هو السعر المناسب للنفط وهو السعر المطلوب لدى المستهلك النهائي، مع وجود طاقات إنتاجية فائضة تزيد الآن إلى أكثر من 6 ملايين مع احتساب كميات من إيران وفنزويلا وقد يزيد هذا الفائض مع توقف إنتاج النفط الليبي والمقدر بحوالي مليون برميل.

والسبب الرئيسي في عدم الإلتزام أو عدم الموافقة على خفض إنتاج آخر هو أن الكويت والمملكة العربية السعودية هما الأكثر إلتزاما بقرارات منظمة أوبك خاصة ونحن في الكويت لا نمتلك طاقات إنتاجية فائضة ومعدل إنتاجنا من النفط يتراوح ما بين 2.600 الى 2.700 مليون برميل في اليوم، ولم نصل حتى الآن علي إنتاج ثابت ومستمرعند 3 ملايين برميل. في حين أن معدل إنتاجنا من النفط في الميزانية القادمة عند 2.700 مليون برميل وهو صعب الوصول إليه بصفة مستمرة ومع المقترح القادم بخفض الإنتاج وبسعر 55 دولار، مما يعني زيادة في العجز المالي إلى أكثر من 9 مليار دينار كويتي، ويبلغ معدل سعر النفط الكويتي حاليا 51 دولار، في حين مثلا دولة الأمارات تنتج حاليا 3.1 ملايين برميل بصفة مستمرة وكمياتها تفوق كمياتنا بأكثر من 400 الف برميل في اليوم. وهي أيضا قد تكون لها البديل عن النفط في حين نحن نكون صامدين أمام ضعف أسعار النفط لنبدأ نستهلك ونستعمل أموال الأجيال القادمة وبأريحية.

منظمة أوبك بدأت تفقد حصتها السوقية وبتنازل غير مسبوق حيثا تنتج الآن حوالي 29 مليون برميل وإذا فعلا وافقت المنظمة على خفض آخر ليصل إنتاجها إلى 28 مليون برميل، ولتستفيد الدول المنتجة من خارج المنظمة من النفط الصخري الأمريكي وبقية الدول الأخرى مثل كندا والمكسيك والنرويج وروسيا قد تكون المستفيدة الأكبر حيث أن معدل 45 دولار يناسبها بعكس جميع دول منظمة أوبك.

وليس أمامنا خيار سوي البحث وإيجاد البديل عن النفط خاصة وأن ثرواتنا المالية ستتلاشى بحلول عام 2034 أي في أقل من 14 سنة حسب تقرير صندوق النقد الدولي وبدأنا مرحلة النهش واستنزاف واستغلال صندوقنا السيادي لسد العجز المالي المستمر.

كامل الحرمي







كشفت "صفقة القرن" التي ليست سوى صفقة أميركية – إسرائيلية، العجز الذي يعاني منه عرب كثيرون في مجال التصالح مع الحقيقة والواقع. المضحك المبكي ان لبنانيين كثيرين وضعوا نفسهم في الواجهة في خدمة المشروع الايراني الذي تاجر بالقضيّة الفلسطينية والقدس واستخدمهما غطاء من اجل قيام ميليشيات مذهبية مسلّحة عملت باستمرار على إيصال لبنان الى ما وصل اليه. أي الى حال من الإفلاس يرافقها تشكيل حكومة حسّان دياب التي لا علاقة لها لا بمشاكل لبنان ولا بما يدور في المنطقة...

للمرّة الالف، ليست "صفقة العصر" سوى ضوء اخضر أميركي من اجل متابعة اليمين الإسرائيلي عملية وضع اليد على الضفّة الغربية بما في ذلك غور الأردن، إضافة الى القدس طبعا. كلّ ما في الامر انّ اميركا قرّرت، في عهد دونالد ترامب، خلق واقع جديد على الأرض يرفضه كلّ عاقل. هذا العاقل، اكان إسرائيليا ام اميركيا، يعرف انّ خطة السلام التي طرحها الرئيس الاميركي لا علاقة لها بالسلام بمقدار ما انّ لديها علاقة بتكريس الاحتلال الاسرائيلي للضفّة الغربية على ان تكون هناك في يوم من الايّام دولة فلسطينية غير قابلة للحياة. سيتوجب على هذه الدولة الدوران في الفلك الإسرائيلي، تماما كما حال السلطة الوطنية اليوم التي ليس لديها ما تهدّد به سوى الغاء كلّ الاتفاقات الموقّعة مع إسرائيل منذ توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993. أي معنى لهذه السلطة العاجزة من دون التعاون الأمني القائم بين جهازها الأمني والامن الإسرائيلي؟

هذا باختصار ما تعنيه "صفقة القرن" التي تمثّل رغبة لدى إدارة دونالد ترامب في استرضاء اليمين الإسرائيلي الذي بات يسيطر على مقدرات تلك الدولة التي اعلنها ديفيد بن غوريون في العام 1948. ما لم يقله دونالد ترامب قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الذي تحدّث عن إسرائيل كـ"دولة يهودية" مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات على وضع الفلسطينيين المقيمين داخل "الخط الأخضر" في إسرائيل، أي داخل حدود ما كانت عليه قبل حرب 1967. ليس سرّا ان اليمين الإسرائيلي يبحث عن طريقة للتخلّص من الفلسطينيين الذين يسمّون عرب إسرائيل من حاملي الجنسية الإسرائيلية. لكنّ السؤال الذي سيطرح نفسه عاجلا ام آجلا هو الى اين يمكن لإسرائيل تهجير هؤلاء في وقت لم يعد سرّا ان النمو الديموغرافي ليس في مصلحة اليهود المقيمين في ارض فلسطين التاريخية.

لا يمكن تجاهل ما حصل في البيت الأبيض يوم الثلاثاء الماضي في الثامن والعشرين من كانون الثاني – يناير 2020. لا يمكن التصرّف بما يوحي ان الحدث لا يعني الفلسطينيين والعرب. هناك بكل بساطة حاجة الى اتخاذ موقف واضح مما يجري. يتلخّص مثل هذا الموقف في السعي الى التأثير في الاحداث من جهة ومحاولة التخفيف من الاضرار الناجمة عن الانحياز الاميركي الكامل لليمين الإسرائيلي ونظرياته التي لن تؤدي سوى الى خدمة المشروع التوسّعي الايراني الذي هو في خطورة المشروع اليميني الإسرائيلي في اقلّ تقدير.

الأكيد ان اتخاذ موقف لا يكون عبر اطلاق الشعارات الفارغة من نوع ان القدس عربيّة وانّ فلسطين عربيّة لتبرير بقاء سلاح "حزب الله" غير الشرعي والحاجة اليه لبنانيا.

من سخريات القدر ان جماعة "التيار الوطني الحر" الذين يسميهم الناس "عونيين"، نسبة الى رئيس الجمهورية ميشال عون، رفعوا فجأة رموزا فلسطينية مثل وضع الشورة (الشال الفلسطيني) حول رقابهم. من يريد بالفعل مساعدة الفلسطينيين لا يتاجر بقضيتهم، بل يسعى الى مساعدتهم، اقلّه إنسانيا، حيث امكن في انتظار يوم يوجد فيه حلّ ما يسمح لهم بالعيش في ظروف افضل من تلك التي يعيشون فيها في مخيمات لبنان. من يريد مساعدة الفلسطينيين، على الرغم من كلّ ما ارتكبوه في لبنان قبل العام 1982، لا يلجأ الى اضطهادهم، خصوصا عبر استخدام لغة تنمّ عن ابشع أنواع العنصرية... والاعلان عن انّه مع قضيتهم في الوقت ذاته!

لن تمرّ "صفقة القرن" لسبب في غاية البساطة. هذا السبب هو الهويّة الوطنية الفلسطينية التي لم تستطع إسرائيل القضاء عليها. بقيت هذه الوطنية حيّة على الرغم من كلّ الأخطاء التي ارتكبت منذ قرار التقسيم في العام 1947 وكلّ ما حصل من متاجرة بالقضيّة الفلسطينية على يد كثيرين. يمكن البدء بالاتحاد السوفياتي والانتهاء بايران مرورا في طبيعة الحال بالنظام السوري الذي قتل من الفلسطينيين اكثر بكثير مما قتلت إسرائيل، إضافة الى توريطهم في الوحول اللبنانية. يبقى ما حلّ بمخيّم اليرموك قرب دمشق خير دليل على الموقف الحقيقي للنظام السوري من الفلسطينيين عموما.

على من يريد من اللبنانيين مواجهة "صفقة القرن" بالفعل، ان يهتمّ بلبنان اوّلا وبمشاكله بدل اطلاق الشعارات الفارغة. هناك انهيار لبناني على كلّ صعيد. لا يمكن الهرب من هذا الانهيار الى "صفقة القرن". كلّ ما في الامر ان هذه الصفقة ليست سوى صيغة لتصفية القضية الفلسطينية التي تمرّ بظروف صعبة ومعقّدة في ظلّ غياب القيادة الواعية القادرة على اتخاذ قرارات تتجاوز مسألة التعاون الأمني مع إسرائيل.

لا يفيد الهرب اللبناني الى "صفقة القرن" في شيء. على العكس من ذلك، يعطي هذا الهرب فكرة عن العجز اللبناني عن استيعاب عمق الازمة اللبنانية التي جعلت المواطن العادي غير قادر على التصرّف بماله المودع في المصارف اللبنانية. اكثر من ذلك، لا مجال للتعويل على من لا يدرك خطورة ما يعنيه ما أصاب النظام المصرفي اللبناني. لا مجال ايضا للتعويل على من لا يستوعب معنى ان تكون ايران من يتباهى بامتلاك أكثرية في مجلس النواب اللبناني. هل من يريد ان يتذكّر تصريح قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الايراني، الذي صفّي أخيرا على يد الاميركيين، بعيد اعلان نتائج الانتخابات النيابية التي أجريت في السادس من ايّار – مايو 2018؟

باختصار شديد. الوضع اللبناني أسوأ بكثير مما يعتقد. ثمّة حاجة الى تغيير كبير على اعلى مستوى. ثمّة حاجة الى من يعرف تماما ما هي "صفقة القرن" وماذا تعنيه وان اقحام لبنان نفسه في التصدّي لها بطريقة، اقلّ ما يمكن ان توصف به انّها سخيفة، لن يفيده في شيء. على العكس من ذلك ان التذرّع بتلك الصفقة الاميركية – الإسرائيلية يؤكد المأزق اللبناني الذي لا خروج منه من دون امتلاك شجاعة ما. انّها شجاعة الاعتراف بانّ "سلاح حزب الله"، وريث السلاح الفلسطيني، في أساس كلّ هذا الانهيار!

خيرالله خيرالله









توّجت الولايات المتحدة وإسرائيل رؤيتهما للحل النهائي لقضية الدولتين، بصفقة ثنائية بطلاها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، مشروعا للحل وبخلفيات انتخابية بحتة، وبموجبها يتم إعادة انتخاب الرئيس ترامب لولاية رئاسية ثانية، فيما تؤمن لنتنياهو هروبا للأمام من الملاحقات القضائية، وتضع له حظوظا في تجاوزه للمرة الثالثة في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية القادمة. وقد شكّل الإعلان نقطة تحوّل دراماتيكية وسط ظروف عربية وإقليمية ودولية لا مثيل لها لجهة الضغوط وتلاشي القدرة على المواجهة، لاسيما وان الاتفاق نفسه قد رُفض من الطرف الثالث الفلسطيني الغائب أساسا عن الاحتفالية والإعلان.

وبصرف النظر عما إذا كان الإعلان ولِدَ ميتاً أم لا بنظر الكثيرين، إلا انه يتضمن نقاطا قضت على قرارات دولية ومشاريع حلول تعد بالعشرات. والأخطر في كل ذلك أن الإعلان يشكل تحديا للشرعية الدولية التي وضعت للقضية الفلسطينية وحل الدولتين مسارات واضحة رغم عدم الالتزام بها واقعيا من قبل الطرفين أصحاب الإعلان.

إن التدقيق في نص الإعلان يظهر العديد من الجوانب السلبية التي يستحيل تجاوزها. فقد تم تجاوز القرارات الدولية ذات الصلة بحل الدولتين الذي أسس له القرار 181، ويحاول القضاء على عودة الفلسطينيين إلى ديارهم وفقا للقرار 194، كما تجاوز مبدأ عدم مشروعية احتلال الأراضي وانسحاب إسرائيل وفقا للقرار 242، وحق تقرير المصير الموثق بقرارات صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عبر نزع السيادة عن الأراضي الفلسطينية المقترحة وأجوائها، واعتبار الدولة منزوعة السلاح. ويكرس الإعلان سياسة الفصل العنصري عبر إجبار الفلسطينيين الاعتراف بيهودية الدولة، وجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية في وطنهم، كما يعمد الإعلان وبشكل صريح إلى تشريع المستوطنات الفلسطينية في مناطق السلطة الفلسطينية وإعادة ضم وفرز أراض جديدة لصالح ضم المستوطنات إلى الدولة اليهودية، وبالتالي خسارة المزيد من الأراضي للدولة الفلسطينية الموعودة، وهو أمر مخالف للعديد من قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة. كما ويستفز الإعلان الدول الإسلامية وشعوبها إذ يضع الأماكن المقدسة تحت السيادة الإسرائيلية ويترك إقامة فروض الصلاة تحت نظر الاحتلال واستنسابيته.

ثمة محاولة خداع واضحة لا لبس فيها تتعلق بالقدس كعاصمة أبدية لإسرائيل، فيما ترك للفلسطينيين ما سميَّ بالقدس الشرقية وهي عمليا وواقعيا كما تنظر إليها إسرائيل لا تتعدى إحياء ابو ديس أو سلوان أو شعفاط. إضافة إلى ضم غور الأردن والمستوطنات فيه وهو مخالف أيضا لقرارات الشرعية الدولية، لجهة ضم الأراضي والمستوطنات التي ليس لها أساس قانوني. كما لم يذكر الإعلان قضية اللاجئين في الشتات وعودتهم إلى أراضيهم وفقا للقرار 194/1949، ولم يذكر أيضا مصيرهم في الدول التي يتواجدون فيها أو إمكانية التعويض عليهم. كما تضمن وعودا ماليا غالبيتها تندرج في إطار قروض لا هبات تمتد لسنوات لاحقة.

لقد قدم الإعلان الثنائي وعودا لا تقل خطورة عن تصفية القضية الفلسطينية وفي أحسن الأحوال تقزيمها، وجعلها مناسبة للتذكر من وقت لآخر، فالقضية الفلسطينية تستحق الكثير من الجهد والاهتمام العربي والدولي، لاسيما وإنها من أقدم القضايا الدولية المتروكة والتي تتعاظم آثارها وتداعياتها مع الوقت. والأغرب في هذا السياق أن الإعلان أتى ليدمر المئات من مشاريع الحلول وعددا مماثلا من القرارات الصادرة عن منظمات دولية وإقليمية، والأغرب من ذلك كله استبعاد الطرف الفلسطيني من الإعلان وهو في الأساس رافض له شكلا ومضمونا.

والأخطر من هذا كله، ما يؤسس الإعلان لخلافات فلسطينية - فلسطينية، إضافة إلى تداعيات الإعلان وآثاره على دول المنطقة وبالأخص دول الطوق، من خلال ما يدبر لها من أدوات ضغط ووسائل ترهيب وترغيب للقبول بما يعتبر امرأ واقعا لا ريب فيه.ثمة تسميات كثيرة متعددة ومتنوعة الأبعاد والخلفيات ألقيت على القضية الفلسطينية بدأت بالنكبة وألحقت بالنكسة، واستتبعت اليوم بالصفقة والصفعة، فماذا ينتظر الفلسطينيون وقضيتهم في قادم الأيام؟

د. خليل حسين







تقوم السياسات الدولية وخصوصاً في الوقت الراهن على الواقعية السياسية المحكومة بالمصالح وتوازن القوى وخصوصاً بالنسبة للدول العظمى التي لا تلتزم بمبادئ القانون الدولي والشرعية الدولية وبالقيم الأخلاقية إلا ما يخدم منها مصالحها، وفي كثير من الأحيان تتداخل السياسة الواقعية مع السياسية العدوانية.

فمن يتابع ما يجري على أرض الواقع في العالم سيكتشف أن الواقعية السياسية أو لغة المصالح والقوة وتوازناتها هي السائدة في العلاقات الدولية، وأن مدرسة المثالية السياسية القائمة على نهج السلام والقانون وبالشعارات والأيديولوجيات والعواطف كمحدد رئيس للسياسة انتهى منذ نصائح نيكولاي مكيافلي لأمير فلورنسا في كتابه "الأمير" في بداية القرن السادس عشر وتأكد أكثر مع سقوط جدار برلين.

السياسة الواقعية المتعارضة مع القانون الدولي والشرعية الدولية والأخلاق الإنسانية ليست حكراً على إسرائيل ودول الغرب، صحيح أن الواقعية السياسية التي يتصرف على أساسها الرئيس دونالد ترامب واعتماداً عليها وضع صفقته لتسوية الصراع في المنطقة بالغت في انتهاك القانون الدولي والشرعية الدولية وانتهاك حقوق وطنية تاريخية للفلسطينيين على أرضهم، إلا أن دولاً أخرى تمارس الواقعية السياسية وتنتهك القانون الدولي ولكن بدرجة أقل استفزازاً، فهل التدخل الروسي والتركي والإيراني في الدول العربية يحترم ويتوافق مع الشرعية الدولية؟ وهل التدخل السعودي والخليجي بشكل عام في اليمن وليبيا وسوريا منسجم مع الشرعية الدولية وقراراتها؟

لا محاججة بأنه من الواجب الوطني والأخلاقي والإنساني أن نرفض صفقة ترامب لأنها تتعارض مع القانون الدولي والشرعية الدولية ومع الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني المستمَدة من الشرعية الدولية ومن واقع تاريخ الشعب الفلسطيني المتواجد على أرضه منذ آلاف السنين، وبالفعل رفض الشعب الفلسطيني صفقة القرن كما رفضتها جامعة الدول العربية وستذهب القيادة الفلسطينية لمؤتمر القمة الإسلامية وللاتحاد الأفريقي وللأمم المتحدة وستحصل على ما تطلبه من رفض لصفقة القرن والتمسك بقرارات الشرعية الدولية، ولكن...

هل خطاب الرفض المتسلح بالشرعية الدولية وبالأخلاق الإنسانية يكفي لوحده لمواجهة صفقة ترامب–نتنياهو؟ وهل قرارات الشرعية الدولية تطبَّق من تلقاء ذاتها؟ ألا يجري منذ سنوات تطبيق بعض بنود صفقة القرن على الأرض وقبل أن يُعلن عنها رسمياً، من بناء جدار الفصل العنصري والاستيطان وضم القدس والجولان وهدم البيوت وشق الطرق الخ في ظل وجود قرارات الشرعية الدولية وعلى مسمع ونظر الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والاتحاد الإفريقي؟

المشكلة تكمن في أن دول العالم بما فيها الدول العربية والإسلامية تتصرف بواقعية سياسية في القضايا التي تمس مصالحها القومية كما تراها الأنظمة القائمة وتضرب بعُرض الحائط أو تتجاهل الشرعية الدولية، ولكن عندما يكون الأمر متعلقاً بالقضية الفلسطينية فإنها تتحدث بوداعة وعقلانية وبلغة المظلومية الواقعة على الشعب الفلسطيني وبلغة القانون والأخلاق أو بالمثالية السياسية وتريد تطبيق القانون الدولي والشرعية الدولية لحل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً وتطالب الشعب الفلسطيني أن يبتعد عن أسلوب القوة حتى في سياق الدفاع عن النفس وأن يستمر ملتزما بنهج السلام!

نعم نرفض صفقة القرن التي يعتبرها ترامب ومن يدعم خطته أنها تمثل حلا واقعيا وعقلانيا، ولكن الرفض لوحده ليس موقفاً عقلانياً وواقعياً إن لم يكن مصحوباً بإستراتيجية عمل تحوِّل خطاب الرفض إلى ممارسة تغير الواقع الذي قامت عليه الصفقة أو تفاهمات ترامب -نتنياهو التي بنيت على واقع مخرجات فوضى الربيع العربي وواقع الانقسام الفلسطيني والاختلال في النظام الدولي وضعف الشرعية الدولية وجبروت القوة الأميركية والإسرائيلية، ولا يمكن مواجهة الواقعية الأميركية الفجة والعدوانية بالمثالية السياسية من الشعارات الأيديولوجيات والقرارات الانفعالية والعاطفية وقرارات الشرعية الدولية، والتي نعرف بأنها لم ولن تطبق.

هلل البعض وصفق لبيان وزراء الخارجية العرب، ولكن متى التزمت الأنظمة العربية بالبيانات والقرارات والاتفاقيات التي تصدر حتى عن القمم العربية منذ اتفاقية الدفاع العربي المشترك في الخمسينيات وقمة الخرطوم بعد حرب حزيران (لا صلح ولا اعتراف ولا مفاوضات مع إسرائيل) إلى قمة بغداد (قمة الصمود والتحدي) بعد توقيع مصر لاتفاقية كامب ديفيد، إلى قمة بيروت 2002 والمبادرة العربية للسلام؟ ما هو مصير كل هذه الاتفاقات والقرارات العربية حول فلسطين؟ ألم يحدث كل هذا الانهيار للقضية الفلسطينية وللعلاقات البينية العربية في ظل وجود هذه القرارات والبيانات والاتفاقيات؟ وهل نصدق البيانات والقرارات الرسمية أم واقع العلاقات الرسمية بين دول عربية وإسرائيل وآخرها لقاء عبدالفتاح البرهان رئيس المجلس الانتقالي السوداني مع نتنياهو في اوغندة؟

وبصراحة نقول، حتى الآن لا يوجد رد عقلاني وواقعي على الصفقة وكل ما نسمع شعارات وخطابات رفض تتلاعب بالعقول وتدغدغ المشاعر وتخلق حالة من الوهم بالنصر والرضى عن الذات ولكنها لا ولن تُغيِّر أو تؤثر على الواقع.

لا نقلل من قيمة وأهمية الرفض الفلسطيني والعربي الرسمي والشعبي للصفقة، ويحب إعادة النظر بمقولة إن الصفقة ستمر سواء وافق عليها الفلسطينيون أم لم يوافقوا لأنه يجري تنفيذ الصفقة بالفعل على أرض الواقع الخ! الخطورة في هذا القول وربما التضليل المتَعَمد الذي يرمي لجعل الصفقة أمراً واقعاً يجب الاعتراف به، يأتي من عدم التفريق بين تمرير الصفقة بموافقة فلسطينية أو بدون موافقة، فتمريرها بموافقة طرف فلسطيني رسمي وخصوصاً منظمة التحرير يعني نهاية وتصفية القضية الفلسطينية وهذا سيتم توثيقه باتفاقات يتم إيداعها في الأمم المتحدة وسيترتب عليها شطب وإلغاء كل الاتفاقات والقرارات الدولية السابقة وقطع الطريق على أية مطالبات فلسطينية مستقبلية، أما تمرير الصفقة بدون موافقة فلسطينية فسيحوُّل الصفقة إلى سياسة عدوانية وفرض أمر واقع، ومعناه أيضاً بقاء الصراع مفتوحاً واستمرار العلاقة القائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين علاقة دولة احتلال مع شعب خاضع للاحتلال.

من الجيد أن نرفض ويرفض العالم تفاهمات ترامب-نتنياهو ولكن الرفض وحده لا يكفي وعلينا التفكير بعقلانية وواقعية، وهي الواقعية التي تحكم السياسة الدولية بل والداخلية لكل دول العالم بما فيها الأنظمة العربية. قد يقول قائل إن المطالبة بتحرير فلسطين وقيام دولة مستقلة والدعوة لمقاومة الاحتلال مطالب عقلانية وواقعية، وهذا كلام صحيح ولكن كيفية تحقيق هذه المطالب هو الذي يحتاج لتعامل عقلاني واقعي يأخذ بعين الاعتبار موازين القوى القائمة وكيفية مواجهتها.

عندما نطالب بأن يتصرف الفلسطينيون والعرب والمسلمون بواقعية تجاه القضية الفلسطينية وفي التعامل مع تفاهمات ترامب-نتنياهو فلا نقصد بالواقعية الاستسلام للأمر الواقع المفروض بالقوة والعدوان الإسرائيلي والأميركي ولا الهروب نحو مغامرة هدم المعبد على من فيه، بل التفكير بطريقة تؤسِس لفهم عقلاني للواقع لتغييره، عقلانية تمثل حالة ثورة تؤسِس لوضع استراتيجية عمل بعيداً عن الشعارات والأيديولوجيات والتفكير الغيبي وبعيداً عن كل أنماط العمل والتفكير التي سادت طوال عقود وكانت تخدم سياسة العدو أكثر مما تخدم قضايانا المصيرية، نحتاج لواقعية سياسية فلسطينية، تبدأ باعتراف الطبقة السياسية الحاكمة في الضفة وغزة بالخطأ بل الأخطاء التي ارتكبتها بحق الشعب والقضية وأن تُوقِف هذه الطبقة السياسية مراهناتها الكُلية على الشرعية الدولية ومحكمة الجنايات وعلى أنظمة تدعمها بالمال لإطالة عمرها الوظيفي في السلطة، وتنتهي بوضع استراتيجية وطنية تجمع ما بين توظيف عناصر القوة عند الشعب وهي كثيرة ومنها المقاومة الشعبية والعصيان المدني والمقاطعة من جانب، وحراك سياسي ودبلوماسية برجال جُدد ورؤية جديدة من جانب آخر.

د. إبراهيم أبراش









عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم حق قائم إلى الأبد من الناحيتين الوطنية والإنسانية، وساقط منذ أمد من الناحية العملية. وجاءت "صفقة القرن" اليوم بعد "اتفاق أوسلو" لتؤكد المؤكد. حتى أن قرار "حق العودة" الصادر عن الأمم المتحدة في 11/12/1948 غامض وقابل التأويل ولا يلحظ وجوب العودة الإلزامية والكاملة والجماعية، فورد فيه: "وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم". عدا أن نص القرار مليء بالفخاخ (السماح، في أقرب وقت، الراغبون، ديارهم، العيش بسلام، إلخ...)، فهو يعني اللاجئين كأفراد وليس كشعب، كما أنه صدر في إطار مشروع تقسيم فلسطين. أما وأن العرب رفضوا التقسيم آنذاك، فحق العودة صار إشكاليا.

وأصلا، قرار العودة وضع لتمرير قيام دولة إسرائيل، لغش الشعب الفلسطيني، لإقناع الدول المضيفة باستقبال اللاجئين، لتغطية التنازلات في الاتفاقات السلمية، ولتخفيف ثقل تأنيب الضمير على الدول التي تشاركت في سلخ الشعب الفلسطيني من أرضه وزرع إسرائيل. فلا نتكل، بالتالي، على "حق العودة" لنتلافى التوطين.

سبعون سنة انقضت على التهجير المأساوي، والفلسطينيون لا يملكون سوى "حق الانتظار". لا الذين رغبوا عادوا ولا الذين دجنتهم الغربة قبضوا تعويضات. ونتائج الحروب الإسرائيلية/العربية/الفلسطينية، ونوعية اتفاقات السلام الجزئية والمنفردة أدت إلى كل شيء إلا إلى عودة اللاجئين. في الحروب خسر الفلسطينيون حق عودة الأراضي إليهم، وفي اتفاقات السلام خسروا حق عودة اللاجئين إليها. وكلما كانت الأراضي تنحسر فيستولي عليها الإسرائيليون، كان عدد اللاجئين يتكاثر.

إن مجرد قيام دولة إسرائيل في حدودها المطاطة يحول تلقائيا دون بقاء الفلسطينيين في أرضهم مع الزمن أو عودتهم إليها. لذا لا يستطيع العرب والفلسطينيون أن يعترفوا بدولة إسرائيل من جهة، ويطالبوا بحق العودة من جهة أخرى. ومسار تطور الحركة الديمغرافية بين اليهود والفلسطينيين منذ سنة 1948، يكشف أن رفض إسرائيل حل الدولتين نابع من رفضها وجود شعبين على تلك الأرض. وما إنشاء المستوطنات الإسرائيلية في أراضي الضفة الغربية إلا لتصغير أرض السلطة والحؤول دون قدرة استيعاب فلسطينيي الداخل، فكيف بفلسطينيي الشتات؟

مع رغبة اللاجئين الصادقة بالعودة إلى فلسطين، تبين الوقائع اليومية أنهم فقدوا الأمل فيها، ويبحثون عن مستقبلهم الفردي والعائلي أكثر مما عن مصيرهم كشعب. حين اللاجئون الفلسطينيون يطالبون الدولة اللبنانية بحق التملك والعمل والضمانات الاجتماعية وبممارسة حياة طبيعية كسائر المواطنين اللبنانيين، ويتظاهرون أمام بعض السفارات الأجنبية - لا العربية - مطالبين بالهجرة، يكشفون عن أنهم يتدبرون مصيرهم الذاتي بمنأى عن مشروع العودة إلى الوطن الأم. بلغ بهم اليأس أن يريدوا سمة سفر إلى دول بعيدة لا جنسية فلسطينية للعودة إلى فلسطين.

إن اللاجئين الفلسطينيين يبدون واقعية أكثر من بعض قياداتهم ومنظماتهم الذين يدغدغون عواطفهم بمشروع العودة ويبقونهم في مخيمات التعاسة عوض تأمين انتقالهم إلى دول توفر لهم الكرامة والحياة الكريمة. هناك أطراف فلسطينية، خوفا من أن تصبح عاطلة عن العمل والارتزاق، توظف اللاجئين الفلسطينيين في مشاريع إقليمية لا علاقة لها باستعادة فلسطين. وهناك أيضا أطراف لبنانية استغلت وما زالت تستغل الفلسطينيين ومنظماتهم في صراعاتها اللبنانية.

أفهم أن يرفض إخواننا الفلسطينيون مغادرة أرضهم إلى أرض أخرى، لكني لا أفهم ألا يغادروا أرضا لبنانية ضيقة إلى دول أخرى فسيحة. أفهم أن يرفضوا مغادرة منازل مريحة إلى مخيمات، لكني لا أفهم ألا يغادروا المخيمات إلى المنازل المريحة. أفهم أن يرفضوا مغادرة دولة تؤمن لهم المدرسة والجامعة والطبابة والعمل والضمانات، لكني لا أفهم ألا يغادروها إلى دول أخرى توفر لهم هذه الحقوق. أفهم أن يرفضوا مغادرة الهناء والازدهار والبحبوحة، لكني لا أفهم أن يبقوا في البؤس والشقاء والفقر.

ليس جرما إنقاذ اللاجئين الفلسطينيين من مأساتهم المستمرة منذ عقود بتنظيم إعادة انتشارهم، لكن الجرم أن نبقيهم محتجزين ورهائن ونذرف دموع التماسيح ونطلق المزايدات، فيما ندرك تعذر العودة إلى فلسطين. لماذا نتقبل هجرة اللبنانيين، ولهم وطن، ونستهول هجرة الفلسطينيين، ووطنهم سليب؟ فمن ساواك بنفسه ما ظلمك. صحيح أن جميع الحلول المطروحة ظالمة بحق الفلسطينيين ما دامت لا تلحظ العودة إلى فلسطين. الفارق هو أن تكون مظلوما وتعيش في شقاء، أو مظلوما وتعيش في هناء.

تجاه هذه المعطيات، تحتم مصلحة الفلسطينيين، قبل مصلحة اللبنانيين، طرح موضوع استمرار وجودهم في لبنان بمعادلة: إذا توطنوا سيتقسم لبنان، وإذا لم يتوطنوا سيعيشون في البؤس. ولأننا نرفض التقسيم نواجه التوطين، ولأننا نأبى بؤس الفلسطينيين نقترح إعادة انتشارهم. لا يستطيع لبنان أن يبقي على أرضه الصغيرة وفي مجتمعه الرهيف نصف مليون لاجئ فلسطيني بانتظار "حق العودة" الأبدي. ولا يجوز لإخواننا الفلسطينيين أن يأخذ على خاطرهم ويروحوا ينعتوننا بالعنصرية. لقد قمنا بأكثر من واجباتنا الإنسانية والسياسية والأخلاقية رغم التجارب الأليمة. بعد إعلان "صفقة القرن"، حان الوقت لنقول: "لبنان أولا".

في اجتماع مع ممثلي الكنيسة المارونية نهار الجمعة 22 كانون الأول 1978، قال الرئيس الياس سركيس: "إذا كان التوطين سيحصل ويحدث اختلالا لصالح المسلمين في لبنان، فمن الضروري التفكير بالفدرالية" (كتاب "حارس الذاكرة - المحاضر السرية للبطريرك صفير" - جورج عرب ص 193).

ذاك الرئيس الحكيم ما عساه يقول اليوم حين يعرف أن إخواننا الفلسطينيين أضيف إليهم مليون ونصف مليون نازح من إخواننا السوريين؟

سجعان قزي









لا جدل في أن قضية فلسطين لم تعد "قضية العرب الأولى". وإذا ما تأملنا هذا الواقع عميقا قد نكتشف أنها لم تكن يوما الأولى، وإن كانت الحروب التي ارتبطت بها شكّلت حتى عام 1973 همّا عربيا جماعيا لا لبس فيه.

كان على دول الاستقلال في العالم العربي أن تتعامل مع دولة جديدة في منطقتها مدفوعة بضغط شعبي عام لم يكن باستطاعة النظم العربية الفتية تجاهله.

كان على الأنظمة المسماة "تقدمية" وتلك المسماة "رجعية" في أدبيات عصر الحرب الباردة أن تتعامل مع "الصراع العربي الإسرائيلي"، بصفته، بالنهاية، عرضا من عروض الحروب التي تُخاض بالوكالة بين عواصم كبرى تقود ذلك الغرب المبشّر بالليبرالية الديمقراطية وعواصم منافسة تقود ذلك الشرق المُغرق في عالمثالثية عضوية مُمتهنا "النضال" كهدف سام لإسقاط "الامبريالية".

داخل ذلك الترابط الجدلي راجت "قضية فلسطين" بصفتها حاملة للنسخة العربية المكثفة لرياح الثورة واليسار التي نفخت في هذا العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. اختلط ما هو سياسي أيديولوجي مُغرض في أجنداته بما هو إنساني مأساوي شتت الفلسطينيين في بقاع الأرض وزرع لهم مخيمات داخل البيئة العربية الغاضبة.

بيد أن سقوط المدّ الثوري منذ انهيار جدار برلين ووراءه انهيار الاتحاد السوفياتي وتعملق مآسي إنسانية منافسة منذ تلك في البوسنة والهرسك قبل عقود انتهاء بتلك في سوريا والعراق واليمن وليبيا هذه الأيام، أرخى على "القضية المركزية" ظلالا نسبوية، جعلت من الموقف منها عرضة لوجهات نظر يحمل "كامب دايفيد" و"وادي عربة" و"اتفاقية أسلو" وأعراض أخرى نسخا منها.

والصحيح أن قضية فلسطين باتت في الوجدان العربي العام ذكرى وجب إنعاشها وليست واجبا فرديا على ما شاع في أدبيات البعث والناصرية وبيانات اليسار المتعجرف.

جرى أن رئيسا مثل زين العابدين بن علي في تونس (على سبيل المثال لا الحصر) كان يشرف على قيادة مظاهرة في بلاده توصف بالمليونية لنصرة فلسطين. يحصل الحدث ليوم واحد، ثم يعود الشعب والحكومة والبلد والرئيس إلى الحياة المعتادة.

وجرى أن هذا النظام أو ذاك أمعن في الدفاع عن "القضية" بصفتها مفتاح إرهاب الناس وتصنيفهم، وفق ذلك، داخل خندق الوطنيين المؤيدين للزعيم القائد أو داخل خندق الخونة المعادين لـ "القضية" وبالتالي معادين للنظام الوطني المجيد.

تعلّقت ذاكرة العامة بالنسبة لموقف من فلسطين بأداء رسمي عام أباح استخدامها بيرقا لتبرير مآرب أخرى.

لم يظهر منذ اندلاع الاحتجاجات في البلدان العربية عام 2011 أن لفلسطين مكانا في صراخ المحتجين. وربّ متسائل هذه الأيام عما إذا كانت فلسطين بصفتها قضية ما زالت تحتفظ بمكانة داخل صراخ الناس في الضفة الغربية وقطاع غزة.

يبدو هناك أن الخطاب صار مصادرا لصالح الفصائل، وكثيرا من المواقف في فلسطين تنهل من مياه تقذفها ينابيع في إيران وتركيا.

على هذا تستفيق المنطقة على تفصيل جديد داخل مسلسل لا ينتهي. ذلك أن لقاء رئيس مجلس السيادة في السودان عبدالفتاح البرهان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وما تبع ذلك من كلام حول تطبيع قادم للعلاقات بين البلدين، أعاد إيقاظ المنطقة على واقع بدا أنها تحاول غضّ الطرف عنه والقبول بقدرِه لا مقاومته.

باتت إسرائيل جزءا من هذه المنطقة، مُعترفا بوجودها، ويجري استقبال مسؤوليها وجرت استضافة متحدثيها عبر فضائياتنا خلال العقود الأخيرة.

تبدل الزمن، وبات الجنرال العربي الذي كان يرى قبل عقود أن أبجديات الحكم تكمن في معاداة العدو والإفراط به، بات هذه الأيام يرى أن مصلحة بلاده العليا تتطلب إسقاط محرم قديم والذهاب إلى تطبيع مع عدو بات سابقا.

بيد أن أمر الحرج المستمر من أمر القفز إلى هذا الواقع يدل على أن ذلك السلوك ما زال ليس يسيرا.

لم تستطع السنين التي تلت "كامب دايفيد" مع مصر و"وادي عربة" مع الأردن أن تنتج تطبيعا حقيقيا بين الدول الموقعة. ثبت أن مغامرة الزيارات التي قام بها أردنيون ومصريون (ومواطنون من بلدان عربية أخرى) إلى إسرائيل بصفتها دولة سلم لا حرب معها، كانت من السوء في رد فعل الرأي العام في بلدانهم، بحيث كان واضحا أن التطبيع ما زال مستحيلا ولو بعد حين.

غير أن إطلالة "السودان الجديد" المفاجئة على حلبة التطبيع ليست سابقة ولا سبقا نادرا. كان رئيس الوزراء القطري الأسبق حمد بن جاسم قد أفتى قبل سنوات بأن علاقة بلاده العلنية مع إسرائيل كانت وما زالت السبيل الوحيد لخطب ودّ الولايات المتحدة. ولن يفوتنا هنا أن إزالة السودان عن لوائح الإرهاب، وهو إثم يُسأل عنه "نظام الثورة" في عهد عمر البشير، تستلزم المرور بعلاقة طيبة مع إسرائيل.

على هذا تعتمد الولايات المتحدة، خصوصا في عهد دونالد ترامب وحضور صهره جاريد كوشنر، إسرائيل واجهة أساسية يتقرر من خلالها موقف واشنطن الاستراتيجي من هذه الدولة أو تلك. والأمر ليس جديدا، وفق فتوى حمد بن جاسم في الدوحة، لكنه هذه المرة بات أكثر سهولة وقبولا في منطقة أنهكتها أعاصير لم يكن لتسلم منها دولة في العالم.

غير أن الحدث السوداني، الذي يكاد يأتي بعد ساعات على إعلان خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط، يعود للتأكيد على خطأ الاعتقاد، وربما تسويق، أن قضية فلسطين لم تعد مركزية وليست الأولى في العالم العربي.

فإذا ما فقدت هذه القضية وهجها الجواني في الوعي الجماعي عند العرب، فلماذا الحرج من التطبيع والارتباك حين اللقاء مع مسؤول إسرائيلي، والتلعثم في تبرير استضافة وفود إسرائيلية.

وإذا ما باتت هذه القضية غير مهمة وهامشية في العالم العربي، فلماذا هذه الهجمة الالكترونية التي تشنّها جيوش وسائل التواصل الاجتماعي ضد فلسطين والفلسطينيين وكل ما يمتّ إلى قضيتهم بصلة.

يحتاج العرب جميعا إلى القفز عن مرحلة المتاجرة بقضية بفلسطين باتجاه إنهاء هذه القضية بما يعيدها قضية عربية لا قضية فلسطينية فقط. لا يحتاج العرب جميعا إلى التطبيع مع إسرائيل بقدر حاجة إسرائيل للتطبيع مع العرب. وإذا ما بات التطبيع قدرا تفرضه موازين القوى فحري بالعرب جميعا أن لا يكون الأمر مجانيا وأن يفرضوا، بالعقل، على العالم، وربما على الفلسطينيين أنفسهم، "حلا عادلا" يجوز بعده ارتكاب أي تطبيع بدون نزق أو حرج.

لن يكون مفيدا استمرار النظام العربي في التلطي وراء ما يريده الفلسطينيون فيما هؤلاء عاجزين عن الدفاع لوحدهم، وبانقساماتهم، عن أكثر قضايا العصر تعقيدا، ولسان حالهم للعرب أن أنقذونا من أنفسنا.

منحت صفقة ترامب إيران وتركيا رخص استيلاء على "قضية العرب الأولى". بات لأنقرة وطهران القول الفصل في تحديد مسارات فلسطين عند العامة العرب. رفضتا الصفقة اليوم ولن يترددا في تسويقها غدا إذا ما بات ذلك خادما لمصالح السلطان والولي الفقيه.

جدير أن نعترف أن "قضية فلسطين" ثروة عربية خالصة حريّ بالعرب، والعرب فقط، أن يحسنوا استثمارها بما يخدم مصالحهم، ومصالحهم فقط.

محمد قواص








تمر العلاقات التركية -الروسية بأصعب اختبار لها منذ أزمة اسقاط الجيش التركي طائرة حربية تابعة للجيش الروسي على الحدود مع سوريا عام 2015 بسبب الخلافات غير المسبوقة حول مستقبل محافظة إدلب شمالي سوريا، وسط تكهنات حول مدى قدرة الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان على تجاوز الأزمة وإنقاذ العلاقات قبل تعمق الأزمة وانهيار العلاقات بين البلدين.

وانتقلت الخلافات الروسية التركية من الاتهامات المتبادلة بالمسؤولية عن الالتزام بتنفيذ استحقاقات تفاهمات سوتشي واتفاقية أستانة حول إدلب، إلى توتر عسكري مباشر على الأرض، وذلك عقب الاشتباك المباشر بين الجيش التركي وقوات النظام السوري، والخشية من توسع رقعة الاشتباك لتشمل الجيش الروسي. ومع استمرار هجوم النظام السوري البري بغطاء جوي روسي واسع على إدلب، وفشل كل المحاولات لوقف الهجوم من خلال الاتصالات مع روسيا، أعلن مجلس الأمن القومي التركي اتخاذ إجراءات إضافية لـ “حماية المدنيين في إدلب”، قبل أن يعلن أردوغان عما سماها “صفحة جديدة في إدلب”.

التحرك التركي تمثل في محاولة إدخال قوات أكبر من الجيش التركي إلى إدلب من جانب واحد، وإقامة نقاط عسكرية جديدة في محاولة لتشكيل ضغط على قوات النظام ومنع تقدمها البري باتجاه مناطق مهمة في إدلب، وذلك على عكس ما كان يجري سابقاً، حيث يتواجد الجيش التركي في 12 نقطة مراقبة في إدلب بموجب اتفاق أستانة ويتم تعزيز القوات هناك وإبلاغ روسيا بتحركاتها بموجب الاتفاق والتنسيق المشترك.

ورداً على الخطوة التركية الأحادية، أعطت روسيا الضوء الأخضر لدمشق من أجل مهاجمة القوات التركية التي أقامت نقاطاً عسكرية جديدة عدة في محيط مدينة سراقب، وقتل النظام ثمانية جنود من الجيش التركي في تطور غير مسبوق، كما هاجم النظام النقطة الجديدة التي أقامها الجيش التركي، الخميس، في مطار تفتناز بريف إدلب، ومع استمرار الجيش التركي بتنفيذ ضربات مدفعية ضد قوات النظام، فإن شبح مواجهة عسكرية أوسع يبقى قائماً بقوة في إدلب.

ومنذ بداية التوتر العسكري المباشر مع النظام السوري، طلبت تركيا من روسيا “التزام الحياد” وأوصلت رسالة واضحة لموسكو أن مشكلتها مع النظام وأنها لا ترغب في أي صراع معها، لكن استمرار تبادل القصف المدفعي بين تركيا والنظام يبقي على خطر إصابة جنود روس من الذين يرافقون القوات السورية، كما أن تركيا التي حيدت سلاح الجو حتى الآن تخشى بالفعل أن تستغل موسكو الفرصة وتهاجم طائرات تركية حال دخولها أجواء إدلب انتقاماً لإسقاط تركيا الطائرة الروسية عام 2015، حيث يسود اعتقاد عام في تركيا أن بوتين لم يطو هذه الصفحة رغم كل التقارب الذي جرى بين البلدين طوال السنوات الماضية.

ورغم اتخاذها خطوات عسكرية على الأرض من قبيل إدخال قوات لإدلب دون تنسيق مع موسكو وفتح جبهات الباب ومناطق درع الفرات وتزويد الفصائل المعارضة بمزيد من الأسلحة، إلا أن أنقرة ما زالت تؤكد على ضرورة الحوار مع موسكو في محاولة للتوصل إلى صيغة جديدة لوقف إطلاق النار في إدلب ومنع حدوث اشتباك ميداني غير محسوب قد يؤدي إلى تخريب العلاقات بين البلدين. وفي هذا الإطار، أجرى أردوغان الثلاثاء اتصالاً هاتفياً ببوتن، فيما أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو، الخميس، أن وفداً روسياً سوف يزور أنقرة، لافتاً إلى إمكانية حصول لقاء ثنائي بين أردوغان وبوتين في الأيام المقبلة “إن تطلب الأمر” وهو ما أكده الكرملين الخميس.

وعلى الرغم من التباعد الكبير في مواقف البلدين حول إدلب، والتوتر العسكري غير المسبوق على الأرض، إلا أن الاتصالات تهدف بالدرجة الأولى إلى اتخاذ احتياطات أكبر والحفاظ على استمرار التنسيق لمنع حصول اشتباك غير مقصود أو أحداث ميدانية خطيرة قد تؤدي بشكل غير محسوب إلى الاضطرار وربما انهيار الاتصالات بين البلدين حول الملف السوري بشكل كامل وبالتالي بدء انعكاس الأزمة على باقي ملفات التعاون بين البلدين.

ومنذ حادث اسقاط الطائرة الروسية وتضرر العلاقات بين البلدين، بدأت أنقرة وموسكو خطة واسعة لإعادة تحسين العلاقات وصلت إلى ذروتها في العام الأخير مع وصول العلاقات إلى أفضل مما كانت عليه قبل الأزمة وجرى تعزيز العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية وغيرها الكثير من الملفات، وهو ما لا ترغب أنقرة في خسارته على الإطلاق، وكذلك موسكو أيضاً.

وعقب سنوات من العمل، وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2019 إلى قرابة 30 مليار دولار، فيما وصل عدد السياح الروس إلى تركيا إلى قرابة 6 مليون سائح، وهي أرقام مؤثرة جداً في الاقتصاد التركي الذي يعاني من صعوبات في السنوات الأخيرة، ولا يحتمل أي أزمة بهذا الحجم.
إلى جانب ذلك، ترتب تركيا بروسيا بمشاريع كبرى يوصف بعضها بالاستراتيجي، يأتي على رأسها شراء منظومة إس 400 الدفاعية، ومشروع بناء محطة أق قويو للطاقة النووية، ومشروع السيل التركي لنقل الغاز الروسي إلى تركيا وأوروبا، وغيرها الكثير من المشاريع.

كما أن روسيا ترى في علاقاتها مع تركيا اختراقاً كبيراً لحلف شمال الأطلسي، كما تعتبر أنقرة شريكاً كبيراً ومهماً لها على كافة الصعد سياسياً حول العالم، واقتصادياً، وفيما يتعلق بخطوط الطاقة، وباتت مشتر مهم للطاقة الروسية والأسلحة وتأمل بتقارب أكبر معها على حساب ابتعاد أنقرة عن الناتو، وهي أسباب كافية لتحرص موسكو على منع تدهور العلاقات مع أنقرة، وهي معطيات كافية لترجيح أن البلدان سوف تعملان بقوة لتجنب انهيار العلاقات، مع صعوبة استبعاد هذا الخيار في ظل التعقيدات العسكرية المتصاعدة على الأرض في إدلب.

إسماعيل جمال




arrow_red_small 3 4 5 6 7 8 arrow_red_smallright